شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 09 مايو 2026م06:22 بتوقيت القدس

الشرق الأوسط ما بعد أوباما

21 اكتوبر 2016 - 12:40
محمد ياغي
شبكة نوى، فلسطينيات:

تميزت سياسات باراك أوباما في الشرق الأوسط بعملية انسحاب واضحة منه. 
في العراق قام أوباما بسحب القوات الأميركية العام ٢٠١١ قبل التأكد من أن العملية السياسية في العراق ستؤدي الى وجود نظام يمثل كافة مكونات الشعب العراقي. 
النتيجة كانت نظام المالكي الذي تسبب بسياسته الطائفية في إقصاء جزء من الشعب العراقي، وفي تشكيل حاضنة لدولة «داعش» العام ٢٠١٤.
في سورية رفض أوباما التدخل العسكري لحساب المعارضة السورية عندما كانت الظروف الدولية تسمح بذلك في الأعوام الثلاثة الأولى ـ قبل التدخل الروسي المباشر نهاية العام ٢٠١٥ـ لا تحت غطاء حماية المدنيين، ولا تحت لافتة استبدال الأسد بنظام بديل للأميركيين حصة فيه. 
حتى عندما أعلنت الإدارة الأميركية أن النظام السوري استخدم أسلحة كيميائية وأن هذا كان بمثابة تجاوز لخطوط حمراء وضعتها هي، رفض أوباما إعلان حرب على النظام السوري. حتى القصف الأخير لمواقع النظام السوري في دير الزور، اعتذرت الولايات المتحدة صراحة عنه قائلة بأنه لم يكن مقصودا ولن يتكرر مستقبلاً.
عندما وقعت أحداث ١١ سبتمبر، كان من المتوقع أن تسوء العلاقات مع السعودية كون العدد الأكبر من منفذي الاعتداءات كان منها. لكن هذه العلاقات بقيت قوية وراسخة. 
في عهد أوباما وصلت العلاقات مع العربية السعودية الى مستويات غير مسبوقة من التدني. بعد حديث أوباما عن أن السعودية استخدمت الولايات المتحدة في السابق لتنفيذ أجندات لا مصلحة لبلاده فيها، وبعد حديث نائبه عن دعم السعودية للجماعات المتطرفة في سورية، جاء قانون «جاستا» الذي يجيز رفع قضايا على السعودية للحصول على تعويضات منها بسبب أحداث ١١ سبتمبر. في اليمن، أعلنت الولايات المتحدة بأن تأييدها للسعودية ليس شيكاً على بياض. 
حتى في الدولة الأهم في العالم العربي، وهي مصر، إدارة أوباما كانت ولا زالت راغبة في أن تنأى بنفسها عن تطورات الأحداث فيها. 
أثناء الثورة العام ٢٠١١، كان هنالك تأييد خجول للثورة، وكان هنالك في نفس الوقت تأييد خجول للانقلاب العسكري العام ٢٠١٣.
اليوم، وعلى الرغم من أن الوضع في مصر ينذر بالانفجار بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بها، لم تتقدم إدارة أوباما بأي مبادرة لمساعدتها. بمعنى لا الثورة المصرية على أهميتها في إعادة رسم الخارطة السياسية للعالم العربي أحدثت اهتماماً غير عادي لدى إدارة أوباما سلباً أو إيجاباً، ولا الثورة المضادة التي جاءت للحفاظ على واقع ما قبل العام ٢٠١١، غيرت من تفكير أوباما. 
حتى تونس التي تميزت عملية الانتقال الديمقراطي فيها بالسلاسة النسبية مقارنة بالكوارث التي حدثت في بقية العالم العربي، لم تحظ من إدارة أوباما بأي اهتمام فعلي. 
المساعدات المالية لتونس (اقتصادية وعسكرية) بلغت ٨٦٥ مليون دولار منذ العام ٢٠١١، بمعنى أقل من ٢٠٠ مليون دولار سنوي، في حين أنها رصدت للأردن مبلغ ١٢٧٥ مليون دولار العام ٢٠١٦. المقصود بأن العملية الديمقراطية في تونس على أهميتها للعالم العربي، لم تشكل مصدر اهتمام لإدارة أوباما للبناء عليه. 
هذا الانسحاب الواضح من الشرق الأوسط له أسبابه بالتأكيد. منها أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة لبترول المنطقة وأنها أصبحت مكتفية ذاتياً من إنتاجها. 
ومنها أنها خسرت مئات البلايين في حربها على العراق دون أن يكون هنالك مبرر لذلك، ومنه إدراك أوباما بأن العرب يحملون أميركا المسؤولية عن كل الكوارث التي لحقت بهم. 
ومنها بالطبع تجارب الولايات المتحدة نفسها بالتدخل العسكري المباشر سواء في ليبيا أو العراق، والتي أسقطت الدولة في البلدين وفاقمت المشاكل فيهما.
هذه الأسباب تشكل خلفية بنى عليها أوباما سياساته في الشرق الأوسط ـ أستثني بالطبع هنا إسرائيل التي رفع أوباما حجم دعم بلاده لها مالياً وعسكرياً كتعويض عن انسحاب إدارته من منطقة زاد النفوذ الإيراني فيها. لكن هذه الخلفية لا يمكن فصلها عن أيديولوجية أوباما ـ طريقه فهمه لكيفية الدفاع عن مصالح بلاده. 
أيديولوجياً، أوباما يعتقد بأن انسحاب بلاده من الشرق الأوسط أفضل لها لأن بإمكانها تكريس مصادرها المحدودة لخدمة مصالحها في مناطق أخرى من العالم أقل عدائية لها من الشرق الأوسط. الحديث هنا يدور عن شرق آسيا حيث الشعور بأن الخطر الإستراتيجي على الولايات المتحدة قادم من الصين التي يفوق إنتاجها القومي إنتاج الولايات المتحدة. 
أوباما أيضاً يعتقد بأن تدخل بلاده في الشرق الأوسط لم يساهم في تعزيز مصالح بلاده فيها وأن هذه المصالح ـ العلاقات التجارية، محاربة الإرهاب، حرية الملاحة ـ يمكن الحفاظ عليها بدون الحاجة للتدخل المباشر وإرهاق الخزينة الأميركية. 
الأهم ربما، هو أن أوباما يعتقد بأن دول المنطقة تتحمل المسؤولية الأكبر في حماية نفسها ومصالحها، وبأن عليها بالتالي أن تصل الى تفاهمات مع بعضها البعض لحل المشاكل فيها. 
هل تتغير هذه السياسات بعد أوباما؟
لا يوجد مبرر للاعتقاد بذلك. اليوم يوجد إجماع على أن الحرب على العراق كانت كارثة على الشرق الأوسط ومصدر نزيف للاقتصاد الأميركي.
 يوجد إجماع بأن الولايات المتحدة لن ترسل جنودها للحرب في الشرق الأوسط وأن قرار الحرب أو السلام هو مسؤولية دول المنطقة.
هنالك نوع من الإجماع أن السعودية عبء على الإدارة الأميركية.
هنالك تقدير بأن إسرائيل آمنة وأن علاقتها بمحيطها أقوى من علاقات الولايات المتحدة بدول المنطقة.
هنالك تقدير بأن الوجود الروسي لا يشكل خطراً على مصالح أميركا، وأنه في المدى البعيد سيؤدي لاستنزافها.
باختصار، سياسات أوباما في الشرق الأوسط باقية بعده. ولأنها كذلك، فإن الكرة اليوم في الملعب العربي.

كاريكاتـــــير