شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 13 مايو 2026م21:57 بتوقيت القدس

تناقض الموقف الأمريكي بين الموصل وحلب

20 اكتوبر 2016 - 12:49
مصطفى السعيد
شبكة نوى، فلسطينيات:

على العكس من معركة شرق حلب، لم ينعقد مجلس الأمن لبحث وقف قصف الجيش العراقي لمدينة الموصل، ولم نشاهد أي لقطات عن معاناة السكان، لا أطفال يتم انتشالهم من تحت ركام المباني، ولا نساء يبدو عليهن الهلع من القصف، ولا جرحى تسيل الدماء من أجسادهم التي اخترقتها الشظايا، ولا قتلى يبكي عليهم أهلهم..
فهل الدواعش الذين يحتلون الموصل العراقية إرهابيون أشرار، بينما مقاتلو جبهة النصرة في شرق حلب ثوار طيبون؟
لا توجد أي فروق بين داعش وجبهة النصرة وباقي الجماعات التكفيرية المنتشرة في سوريا والعراق، فجميعهم يرون أن غيرهم كفار وأن قتلهم واجب ديني، وأنهم جاءوا لإقامة دولة الإسلام، ليطبقوا الأحكام الشرعية، ويبعثوا الصورة الحقيقية للإسلام التي ابتعد الناس عنها، وجميعهم حظي بالدعم من نفس الجهات، لتنفيذ نفس الأهداف، فلماذا إذا هذا الفرق الكبير في التعامل بين الإرهاب في شرق حلب والإرهاب في الموصل؟
الفارق الوحيد هو أن أمريكا هي التي تضرب في الموصل، ولهذا لا يجري تصوير ضرباتها الجوية وهي تؤذي المدنيين، ولا تتحدث الفضائيات عن الوحشية والبربرية ومعاناة السكان، رغم أن طائرات اف 16 الأمريكية تحمل قنابل وصواريخ لا تقل فتكا عن السوخوي الروسية، لكن يظل السؤال الأهم هو لماذا تضرب أمريكا الإرهاب في الموصل وتحميه في حلب؟
لا أعتقد أن المخطط الأمريكي الأصلي كان يتضمن القضاء على الدواعش في العراق بسرعة، وكثير من تصريحات الرئيس الأمريكي أوباما وباقي مسئولي الإدارة الأمريكية كانت تؤكد أن القضاء على داعش يحتاج سنوات طويلة جدا، ولم تكن طلعات الطائرات الأمريكية تؤذي الدواعش، الذين كانوا يتمددون بكل اطمئنان، وتمرح عرباتهم تحت أنظار الطائرات الأمريكية، وقوافل الشاحنات تنقل النفط من العراق وسوريا إلى تركيا، قاطعة مئات الأميال بكل أمان.
كانت أمريكا قد تباطأت في تنفيذ عقود تسليح وتدريب الجيش العراقي، رغم أنها تقاضت كامل الثمن منذ أكثر من 10 سنوات، وتدخلت في تشكيل الجيش العراقي على أسس المحاصصة الطائفية، ليعاني من الفساد وضعف الكفاءة وسهولة اختراقه وإثارة الخلافات بين مكوناته، فيصبح جيشا هشا، لا يمكنه أن يعرقل مخططات واشنطن.
اضطرت أمريكا لتغيير سلوكها وخططها في العراق لعدة أسباب في مقدمتها أن انهيار الجيش العراقي واكتساح داعش لنحو نصف مساحة العراق أدى لظهور الحشد الشعبي، الذي جرى تشكيله من المتطوعين لمواجهة مسلحي داعش، وحماية باقي أجزاء العراق، وخاصة العاصمة بغداد وكربلاء والنجف، وكلها كانت مهددة باقتحام داعش، وارتكاب مجازر تشعل حربا طائفية ضروس، وتولت إيران تدريب وتسليح قوات الحشد الشعبي، وهو ما أثار قلق أمريكا من تنامي النفوذ الإيراني، أما السبب الثاني فكان دخول روسيا إلى الحلبة، واعلان استعدادها لمعاونة الجيش العراقي، مثلما تدخلت في سوريا.
وبالفعل أمدت روسيا الجيش العراقي بالسلاح، وشاركت في التدريب، وظهرت السوخوي الروسية التي يقودها طيارون عراقيون، وكذلك دبابات ومدفعية وصواريخ روسية، بل جرى تشكيل غرفة عمليات مشتركة، بها ضباط من روسيا وإيران، وهو ما أثار هلع وغضب أمريكا، وسارعت بإجراء اتفاقيات جديدة مع الحكومة العراقية، وأمدت الجيش العراقي بالعتاد، واضطرت الى نزع بعض أشواك الدواعش بأيديها قبل أن تسبقها روسيا وإيران في نزعها، وتخسر أمريكا ما تبقى من نفوذها في العراق، كما عقدت اتفاقا مع البشمركة الكردية، وزودتها بالسلاح و450 مليون دولار شهريا، إلى جانب تشكيل فصائل من العشائر السنية، لتغذي النزعة الانفصالية في غرب وشمال العراق، وإزاحة داعش من العراق إلى شرق سوريا، حتى تحافظ على فرصة إقامة كيان يفصل سوريا عن العراق.
ورغم أن المشهد يؤكد قدرة أمريكا على تحريك آلة دعائية هائلة وقوة سياسية كبيرة على الساحة الدولية، فإن قوتها على الأرض داخل سوريا والعراق تضعف كثيرا، وتكاد تفلت من أيديها، لرهانها الأساسي على قوة الجماعات التكفيرية الآخذة في الانحسار، ولهذا تحاول إعادة هيكلتها وتحويلها إلى معارضة مسلحة "معتدلة"، حتى تكتسب مشروعية دولية وبيئة محلية حاضنة.

كاريكاتـــــير