تجددت أوهام جماعة الإخوان في استعادة مكانتها، وتحلم بأن يمنحها فوز هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية فرصة جديدة لاستعادة مكانتها، عندما تعطي مخطط الفوضى الخلاقة دفعة جديدة، لأن كلينتون أكثر حماسا للمخطط، بينما كان أوباما مترددا حينا ومتراجعا أحيانا، وهو ما أصاب المخطط ومعه جماعة الإخوان بالخيبة والهزائم.
هذا التصور الساذج سرعان ما سيتبدد رغم الفرص القوية لفوز هيلاري، لأن المخططات الأمريكية سريعة التغيير والتبدل، خاصة في ظل الأحداث المتسارعة في المنطقة والعالم، وأن ساسة أمريكا اعتادوا التضحية بأقرب أتباعهم، عندما تنتهي أدوارهم، وأن أدوار الإخوان توشك على الانتهاء.
وإذا كانت الجماعة ترى أنها ماهرة في التلون والتقلب وفق مقتضيات أي أدوار مطلوبة، فإنها لا تنتبه إلى أن الشعوب تتابع هذه التقلبات على الهواء، ولم يعد من السهل خداعها بخطابات مزدوجة ومتناقضة، فالجماعة تدعي أحيانا أنها استوعبت الدروس، وأنها مستعدة لتغيير نهجها، ومستعدة لتقديم تنازلات، وإجراء مراجعات، وتعترف بارتكاب أخطاء جسيمة، مبدية الندم والأسف، وفي هذا الإطار تبنت شعار »فصل العمل الدعوي عن السياسي«، لتستعيد به ثقة القوى السياسية والشعبية، التي ترى أن الجماعة تستغل الدين في تحقيق أغراضها السياسية، وعانت من حكم الجماعة عندما وصلت إلى حالة »التمكين«، ورأتها تتصرف بكل غطرسة، وتستحوذ على كل شيء، بأسرع وأعنف من أي طاغية، ولهذا لا يمكن أن تصديقها عندما تعود إلى تبني نهج »المظلومية«.
إن الضجة التي أثارتها بعض فروع الجماعة عن تبني فصل العمل الدعوي عن العمل السياسي يؤكد استمرار الجماعة في الخداع، فالشعار يحمل نفس رنين »فصل الدين عن الدولة«، لكنه لا يأخذ منه سوى ذلك الرنين الفارغ من أي مضمون، فالجماعة تتمسك بكل من النشاط الدعوي والعمل السياسي معا، لكنها توافق فقط على إجراء تقسيم جديد للعمل، وأن يتخصص جزء من أعضاء الجماعة في السياسة، ويتخصص آخرون في الدعوة، بل يمكن أن يمارس سساستها أدوارهم السياسية في الصباح، ثم يمارسون الدعوة في المساء، ويمكن أيضا أن يتبادلوا الأدوار، فالداعية يمكن أن ينتقل إلى السياسة، بشرط ألا يجمع بين دوريه السياسي والدعوي في وقت واحد، وتخصيص بعض مقار الجماعة للدعوة، والأخرى للنشاط السياسي.
هذه حدود شعار الجماعة المخادع عن فصل الدعوة عن السياسة، مجرد إعادة توزيع للأدوار، وتقسيم للعمل وأماكنه، دون أي تغيير في مضمونه، يمنع الجماعة من استغلال الدين في السياسة.
أما على صعيد السلوك نجد أدوار الجماعة أكثر تناقضا، فهي تستنكر العنف في دول المغرب العربي، وتدعي الاعتراف بالمساواة بين مواطني الدولة، دون النظر إلى معتقداتهم ومذاهبهم، بينما تحمل السلاح وتمارس القتل باسم الدين أو المذهب في سوريا واليمن والعراق وغيرهم. ويتحدثون عن احترام الحقوق الدينية لكل المواطنين، وهم يروجون فيديو آيات عرابي الذي يحرض على مقاطعة الأقباط وحصارهم، بل واستخدام كل صنوف العنف ضدهم، ويتوجهون إلى إيران طلبا لاستعادة الود والمساندة، بينما يكفرون الشيعة ويستحلون دماءهم، ويتحدثون عن التصدي لإسرائيل وهم يرفعون صور أردوغان ويهتفون باسمه، وهو أهم حلفاء إسرائيل في المنطقة، ويبعثون برسائل تطلب العفو عما سلف، في نفس الوقت الذي يتوعدون فيه بارتكاب المزيد من أعمال التخريب والإرهاب.
هذه الصورة الهزلية والمثيرة للرثاء، هي ما يروج له الإخوان، ظنا أن الشعوب مثل أعضاء الجماعة، لا يفكرون أو يعترضون، وانما يمتثلون ويصدقون كل ما يقوله قادة الجماعة، مهما كان متضاربا أو كاذبا.
ويشعر الإخوان بالعزاء في ظل استمرار الرئيس التركي أردوغان، الذي يرون فيه النموذج النقي للإخواني الناجح، ويمتدحون تقلباته وتغيير أقنعته، ويصفونها بأنها نوع من المكر والدهاء، فهو يغدر بروسيا، ثم ينبطح تحت أقدام بوتين، ليقوم من جديد ليحاول خداعه من جديد، ويدعي أنه يحارب تنظيم داعش الإرهابي، ثم يفخر بأنه استعان بالدواعش في مدينة جرابلس السورية، وأنهم استجابوا وحلقوا ذقونهم، واستبدلوا ملابسهم السوداء، وتحولوا إلى »معارضة معتدلة«، ثم يعلن عن توفير ممر آمن لخروج دواعش الموصل سالمين بأسلحتهم، ليتوجهوا إلى سوريا لاستكمال مخطط التدمير والتقسيم، ويدعو إلى تطبيع العلاقات مع سوريا ومصر والعراق، ثم يتوغل في أراضي سوريا والعراق ضاربا عرض الحائط بكل القوانين الدولية، ولا يرى الإخوان أي غضاضة في تخبط وانتهازية أردوغان، طالما أنه قادر على حصد الغنائم من أي مصدر، بينما لا يرى أردوغان في الإخوان إلا المطية التي يعتليها حتى يحقق بعض المكاسب، ثم يبيعهم فور الوصول إلى مبتغاه، أو عندما لا يجد فائدة من استمرار امتطائهم.
هكذا تتخبط جماعة الإخوان، وتعجز عن صياغة وجهة نظر متماسكة، ولم تصدر منها أي إشارة تنم عن استيعابها أي درس من تجاربها القاسية، لهذا لن تفلح عملية غسيل الجماعة أو إعادة تدويرها، سواء بادعاء تمسكها بفصل الدعوة عن السياسة أو نبذ العنف أو التعلق بأهداب هيلاري كلينتون وأردوغان، وما أن تهدأ عواصف المنطقة، وتفقد الجماعة ما تبقى من دورها الوظيفي، لن تجد حتى من يطلب استئجارها، ولو لبعض الوقت.
عن "الاهرام" المصرية
























