شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 14 مايو 2026م08:46 بتوقيت القدس

الموت قبيلة كبيرة

10 اكتوبر 2016 - 22:28
زكريا محمد
شبكة نوى، فلسطينيات:

الموت قبيلة كبيرة. خيلها الكثيرة ترعي في السهب، والمطر يتساقط على أعرافها.
أما الحياة فقبيلة فقيرة: قبضة تمر، وقبضة ريح.
2-9-2015
*
الطيور ملكية ابن المقفع. الحيوانات كلها ملكيته. عمل لها حديقة كبيرة- أكبر من سفينة نوح ذاتها- وسماها (كليلة ودمنة)، وحماها من الهلاك. عبرت الحديقة هذا الصباح، فطار من خطواتي مذعورا سرب حمامات. لقد صرت ضبعا مخيفا.
وعند الظهيرة عبرت حقلا مغناطيسيا. وكان سرب لقالق يحلق في السماء فوقي، فتحطمت وحدة السرب، وتشوشت رحلته.
لقد فسدت روحي. صارت قادرة على تخريب حقول مغناطيسية بأكملها.
قعدت تحت التينة، وجرحت ذراعي بالموسى. بكت التينة، بكت من جرحي.
التين بكّاء كالأمهات. وأسراب الطيور كلها لابن المقفع.
31-8-2015
*
الليل سهل مزروع بالبطيخ. مزروع بالألغام.
عبرنا على بطوننا كالزواحف. وإن اردتم كذبة صغيرة، فقد عبرناه كالطيور. اسمعونا ونحن نرف بأجنحتنا. اسمعونا ونحن نقيء ما في أمعائنا.
وحين وصلنا الفجر وجدناه حصانا يتقطّر الدم على منحره. لقد نحر أيلول الضحية، وعلقها من عرقوبها.
الكلمات تموت كالكلاب. أشيّع كل يوم عشر كلمات تقريبا. الكلمات تموء كالقطط. ألد كل ليلة قفة من القطط الصغيرة العمياء.
خلّصنا ما في جعبتنا. قطفنا الوردة، وقلعنا أمها.
لا تصْعَدوا أعلى مما يجب. الريح تبدأ بالعواء على الدرجة السابعة. لا تصَعّدوا الإيقاع أكثر مما نحتمل. أيلول يبدأ نحيبه عند الضربة التاسعة.
أردت أن أقول هذا بطريقة مختلفة. لكن الكلمات لا تجاريني. الكلمات تخمع على أرجلها.
فتحنا حظيرة الفجر، وكانت الخيل تنزف من مناحرها.
3-9-2015
*
حلّق الصقر فوق الماء.
حلّق فوق السهل. عيناه خاتمان ذهبيان، وجناحاه شالان كبيران.
لكن عم يبحث الصقر في مرج ابن عامر؟ يبحث عن القطن. زهّر القطن في المرج. تفتّحت لوزاته عن فئران صغيرة بيضاء تحت عين الموت.
كيف تجنبت الملائكة الموت؟ تجنبته لأنها مصنوعة من نار. صرخت بحصاني: دي... دي، صنم من الطين أنا، وأنت خديعة من طين.
الموت عينان كبيرتان فوقنا. حلقتان تُشدّان على المعصمين.
8-9-2015
*
أشياء كثيرة خجلنا منها في حياتنا، ثم اكتشفنا متأخرين أنها أجمل ما فينا. هذه هي لعنة الحياة: الأشياء الجميلة تتكشف متأخرا. نكتشفها ونحن على وشك الرحيل.
شيء ما لا أذكره يكدّرني هذا الصباح. ربما لأنني كسرت فنجان القهوة. أو لأن أحدا تجاهل بسمتي الصغيرة. أو ربما لأنني حلبت الشاة خطأ تحت شجرة الزقوم. المشكلة أن أشياء صغيرة كهذه تتجمع معا وتصير نمالا شرسة تقطّع أجنحتنا.
جناحي مقطوع. لكنني أحب أن أغني. أصلي وأغني معا. ولا أجد حرجا في هذا. أنا لا أجد حرجا في موتي حتى. أغطي عورتي بيدي فقط، وأذهب عاريا إليه حين تحلّ الساعة.
وأحب كذلك أن أصفّ الكلمات قرب بعضها، هكذا بلا هدف، أحيانا. لا يهمني أن يخرج منها معنى. لا يهمني أن يرمّ الحمار التبن من المخلاة، أو أن يغبّ الطائر الماء من البركة. فلقد رأيت بعيني يوما طائرا يتوضأ في بركة فضّة. كان هذا في أغنية قديمة لريم البنا. أنا لا أخجل من الثرثرة في الشعر عند اللزوم. فالباب الذي يفتح نفسه أمامي سأدخله.
البساتين الأشد جمالا هي التي وقفنا عند سياجها، ولم ندخلها قط.
4-1-2015
*
الحزن طفل يسبح في البركة. فقط تأكدوا أن رأسه فوق الماء.
11-9-2015
*
الحياة مرة مثل بقية كأس قهوة. لكن لدي فرصة كي أعوض عنها بحياة أشد كثافة في العالم الآخر. الملائكة هناك ستأخذني من يدي، وترميني في التجربة. لذلك أتهجّد طوال الليل مثل قنفذ. الليل منخل كبير، وأنا أسقط ذاتي من ثقوبه. الليل منخل كبير والنجوم تتساقط من ثقوبه.
الوقت الوحيد الذي أحس فيه أنني من أهل الدنيا هو الغروب. في الغروب تتلهّب الغيوم كالمشمش. شاعر آخر كان سيقول: روحي تتلهّب كالمشمس. أنا أتجنب هذا. فقد وضعت روحي على طبق من قش، وجففتها. وضعتها بين حجرين وطحنتها.
وأنا أظلع. منذ أن سقطتُ من رحم أمي وأنا أظلع. منذ أن أكلت جسدي الحصبة، وأنا لا أسمع.
الشمس فوقنا في السماء تبُطُّ الدمّل. والعيس ترعى هُمّلا.
وفي العادة لا أنجح في أن أختم القصيدة. أتوقف فقط لأن الفجر أطل برأسه. وهو يطلّ برأسه مثل حرذون، ويخرّب كل شيء.
أعترف لكم: البداية خراب، والنهاية أخرب.
13-9-2015
*
أنا ثقب أسود كبير. أبتلع الضوء. أبتلع الواقع والمجاز معا. ثم أمسح بخرقة الحقيقة عرقي. عليكم أن تعفوني من جميع مناصبي. لا أصلح لأي شيء. أصلح فقط للجلوس على الدكة، ورجم العابرين بالحصى. من يربط لي رباط حذائي؟ أذني الداخلية تدور بي. أترنّح. لا أستطيع حتى أن أضع سبابة فوق سبابة كي أصنع بهما صليبا. أمضي النهار كله وأنا أفرغ شحناتي الكهربائية. وبعد العصر أكون خشبة ميتة.
سوف يأتي غودو. هذا أكيد. لكن بعد أن أكون قد رحلت. لا تنسوا أن تكرموه. ضعوا له تبنا في المذود. ألقموه حجرا بين فكّيه. لقد جرى إعطاب كل شيء. جرى إحراقه بالبنزين.
الله سحّارة برتقال. لكن لا أمد يدي كي أخطف واحدة. الشموس البرتقالية تخيفني.
أقعد مثل القدر على أحجار ثلاثة، وأغلي. البخار يتصاعد. الغضب يتصاعد.
لا أستطيع أن أطبق فمي، ولا أقدر حتى أن أشد رباط حذائي.
16-9-2015
*
أحسدها أريحا. أحسدها على قدمها الحافية، وعلى إبرتها التي تقلع الشوكة الغائرة. أشجار البنسيان تتتفس ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين رحمة بها. والبدر يتوقف في سمائها ساعة كاملة كي لا تتحطم من الأسى.
لدي أخبار سيئة كثيرة، لكنني أكتمها. فمن العار على الشاعر أن لا يعثر على كلمة آسية، من العار عليه أن لا يعثر حتى ولو على تمرة حلوة واحدة على النخلة العالية.
أريحا قميص من نار. لذلك فتحت النوافير، وأغرقت الحديقة. وحين حط الغراب على الشيك أرضعته من سبابتي. أنا هنا غريب يرتكب الحماقات. لست من أرض النخل. أنا من بلاد التلال الخفيضة، وأهلي يهرسون الزيتون بالحجارة المستديرة في تشرين.
أحسدها أريحا. مرة جاءها مسيح فعذبته أربعين يوما. اصعدوا معي بالتلفريك كي أريكم زنزانته.
أحسدها. فمها يعلك عفص الزقوم، وروحها تبكي بلا أمل على (جبل التجربة).
23-9-2015
*
أستطيع أن أعيش في كأس ماء. أن أرمى بجذري في قاعه، وأن أورق في فمه.
اعتدت على مثل هذه الأشياء. فالأمور أبسط مما نعتقد. أكثر سفالة مما نعتقد. ودرنة البطاطا مثالي الأعلى. فهي حجر مدوّر من حجارة الوديان، يدفن نفسه في الطين ويورق. يورق بإرادته لا بإرادة الله. وهدفه الوحيد أن يختبر الطريق من الجماد إلى النبات. أنا أيضا أورق لمن شئت، وأورق متى شئت. أرمي بجذري في الكأس. أرميه حتى على نصلة الفأس.
أنا الحجر المورق. أنا الجمل الأورق.
يعلم الله أنني قادر أن أتطوّى في علبة كبريت، وأن أفحّ فيها مثل حية. فافتحي لي طريق المجازات. افتحي يا أخيّة.
1-10-2015
*
في الليل أمطرت في أريحا. ثم رفع غراب أذان الفجر. بعدها سمعت أحدا ما يغني وهو يصرم آخر عراجين النخل.
كريم هو الله. يسقط المطر على جبل التجربة، ويسقط التمرة تحت النخلة.
أفواهنا الكبيرة تتغني بالكلمات، وقلوبنا الكسيرة تشرب القطرات.
أمطرت في الصباح أيضا، فقعدت قبل طلوع الشمس على الخشبة، وبللت بالمطر رأسي. إن لم يبلّ مطر الخريف رأسك فلن يغفر الله ذنوبك. تعالوا كي تغمسوا خبزتكم بالزيت قدّام بيتي. تعالوا كي أريكم وحش الخريف. إن لم تأتوا فسوف أسامحكم. فلديّ مشوار خلف الريح وتحت المطر. الريح قافلة جمال تقضم أغصان الدوم وأغصان الزقوم.
من الذي دبّر لي كل هذا يا رب؟ أهي هدايا عيد ميلادي؟
عند الظهر حطّت شمس الخريف على النخلة. ذيلها سعفة ذهبية كبيرة. وأريحا صحنان من عسل وسمسم. أغرق إصبعي في العسل، ثم أغمسه في السمسم، وألعق.
8-10-2015

كاريكاتـــــير