الخميس الماضي، كتبت «أماندا توب» مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان «لماذا تشد بعض الحروب الانتباه مثل تلك التي تجري في سورية بينما يتم تجاهل حروب أخرى مثل تلك التي تجري في اليمن؟». التجاهل، تقول أماندا، هو القاعدة في الولايات المتحدة وليس الاستثناء. بمعنى أن تجاهل الحروب في العالم هو السمة الأبرز في الإعلام الأميركي. على الرغم من ذلك، بعض الحروب تجد طريقها للتغطية الإعلامية المكثفة مثل الحرب في سورية، لماذا؟ تقول أماندا أن السبب لا يعود لحجم الكارثة التي تجري في سورية، لأن أحداث أكثر كارثية حدثت في الكونغو، السودان، وسريلانكا، ورواندا لكنها بالكاد حصلت على اهتمام إعلامي. كيف إذاً تجد بعض الحروب طريقها للتغطية بينما تختفي حروب أخرى من الإعلام؟ تقول أماندا، الحرب تشد انتباه الأميركيين وساستهم إذا ارتبطت بقصة مُحكمة لها علاقة بمصالح الولايات المتحدة، بنقاش سياسي داخلها، وثالثاً وربما الأهم إذا تم تقديم القصة بقالب عاطفي يمكن من خلاله تحديد من هم الأشخاص الجيدون الذين يمكن دعمهم في مواجهة الأشخاص السيئين الذين يجب هزيمتهم. بمعنى أدق، فرز واضح لحلفاء الولايات المتحدة ولأعدائها. بحثت في مقال أماندا عن الأشخاص الجيدين، حلفاء الولايات المتحدة، الذين يمكن دعمهم في سورية، لكني لم أجدهم. على الرغم من ذلك تبقى الحقيقة أن بعض الحروب لا يتم حتى ذكرها في الإعلام الأميركي ومنها حرب اليمن. ما هو الفرق بين ضحايا اليمن وضحايا سورية.. بين أطفال اليمن وأطفال سورية؟ لا يوجد فرق بالطبع بين الضحايا بمن فيهم الأطفال، لكن يوجد فرق بين المتسبب بقتلهم. أطفال سورية يتم سحقهم من كل الأطراف: الروس والنظام وحلفائه، و«الجهاديين» والدول التي تدعمهم بما فيها الولايات المتحدة وتركيا، وإسرائيل، ودول عربية. الإعلام يحب التركيز على الروس والنظام وحلفائه، وينسى بشكل متعمد أن أول من دمر أهم مشافي مدينة حلب، مشفى الكِندي هو جبهة النصرة الذي فجرته بشاحنة كانت تحمل 40 طنا من المتفجرات على وقع صيحات «الله أكبر». لكن هذا لا يذكره الإعلام الرديء لأنه يجعل من المعارضة والدول التي تدعمها شريكة في قتل السوريين. والإعلام الرديء نفسه لا يذكر أن فشل وقف إطلاق النار الأخير سببه عدم قدرة الولايات المتحدة على إقناع الجماعات المسلحة التي تدعمها سياسياً بالانفصال عن «النصرة». في اليمن الصورة مختلفة بالطبع. لا يوجد روس ولا يوجد إيرانيون ولا يوجد حزب الله. يوجد حلفاء للولايات المتحدة يقومون بأعمال القصف، وفي أحيان كثيرة شاركت الولايات المتحدة نفسها بالقصف أو بتقديم المعلومات التي تسببت في قتل المدنيين. من الطبيعي إذاً أن لا يكون للولايات المتحدة مصلحة في تغطية حرب اليمن. من الضروري أن تبقى اليمن، على رأي أماندا، بعيدة عن الإعلام حتى لا يذكر أحد دور الولايات المتحدة فيها. الحقيقة أيضاً التي لم تذكرها أماندا، أن الحرب في سورية مصلحة أميركية. هي فرصة جاءتها على طبق من ذهب لإضعاف جميع خصومها دون أن تكون بحاجة لإرسال جندي واحد لساحة الحرب. قائمة الخصوم في هذه الحرب: النظام السوري وإيران وحزب الله الذين يعادون صراحة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ضمن القائمة أيضاً الروس الذين تحدوا الولايات المتحدة في أوكرانيا وجورجيا، ويدعمون نظام بشار في سورية. وضمن القائمة أيضا، الجماعات الجهادية التي تقاتل نظام بشار وحلفاءه، لكنهم في نفس الوقت حلفاء للنصرة-تنظيم القاعدة الذي يعتبر الولايات المتحدة عدوه الأساسي. وضمن القائمة بالطبع «داعش» التنظيم الذي يقاتل العالم أجمع. ليس للولايات المتحدة حلفاء في الحرب التي تجري في سورية. وحدهم الأكراد كانوا حلفاءها، واضطرت للتخلي عنهم حتى لا تخسر صداقتها مع تركيا. المحصلة أن لا مصلحة للولايات المتحدة في مُنتصر في الحرب السورية. الجميع يجب أن يخرج منها مهزوما، هذا إن خرج، والهزيمة هنا تكمن بمنع أي طرف من تحقيق انتصار. الكل يجب أن يقاتل حتى الجندي الأخير. الحديث الذي يجري عن تدخل أميركي في الحرب منذ فشل اتفاقها مع الروس حديث واقعي وممكن. لكن الهدف منه ليس هزيمة النظام السوري وإسقاطه، ولكن منع النظام السوري وحلفائه من القضاء على «المعارضة». بمعنى تدخل محدود يتيح للمعارضة الاستمرار في الحرب دون أن يمكنها من تحقيق الانتصار، لأن الهدف كما ذكرنا مراراً هو دفع الطرفين للاستمرار في الحرب حتى آخر طلقة لديهما. لا توجد حلول سهلة لإيقاف المذبحة في سورية. لكنها أيضاً ليست معدومة، وتنفيذها يحتاج الى مغامرة. أحد الحلول أن يلقي الروس بثقل أكبر في الحرب لحسم المعركة. لكن للروس مخاوف مشروعة. ربما بالضبط هذا ما تريده الولايات المتحدة لهم. توريطهم أكثر في الحرب وتحويل سورية بعد ذلك الى أفغانستان جديدة. الحل الآخر هو الزج بإسرائيل في المعركة حتى تصبح لدماء السوريين قيمة! لكن من يجرؤ على القيام بذلك؟ النظام وحلفاؤه لا يريدون ذلك حتى لا تكون النتيجة إضعافهم في مواجهة خصومهم. يضاف لذلك أن الروس قد يسحبون دعمهم للنظام السوري إذا اعتبر إسرائيل جزءاً من حربه الحالية. المعارضة «الجهادية» لا تريد القيام بذلك حتي لا تخسر دعم حلفائها من العرب ومن الغرب، وهي بلا شك مستفيدة من العلاقة مع إسرائيل التي توفر لها مناطق آمنة على حدود الجولان. للكل حسابته، لكن هذه الحسابات بالضبط هي ما يجعل عملية الحسم في سورية غير ممكنة ومستحيلة. إذا قرر طرف إدخال إسرائيل على خط الحرب، فإن هذه الحرب ستتوقف في أقل من شهر، لأن أميركا لحظتها ستضطر لحسم موقفها وستدرك بأن الحرب مكلفة ليس لخصومها ولكن لحلفائها أيضاً. لكن من يجرؤ على مهاجمة «الغول»: النظام «المقاوم» البائس أم المعارضة «الجهادية» الكاذبة التي تعتاش على دعم حلفاء إسرائيل لها.
























