كان تشومسكي قد تحدث عما أسماه " تورط علم الاجتماع الأمريكي " في الحرب على فيتنام. وقبل ذلك ظهرت أدبيات كثيرة بالتوازي مع حركات التحرر خلال القرن الماضي، تناولت الخطاب الثقافي المنتج محليا خاصة في آسيا، وعلاقته أو تماهيه مع الخطاب الثقافي الكولونيالي. وهو الخط النقدي الذي توج نهايات ذلك القرن بكتاب " الاستشراق " لإدوارد سعيد
منظمة التحرير الفلسطينية كجزء من حركات التحرر في ما يسمى " العالم الثالث" تجاوزت منذ بداياتها نطاق فعلها السياسي الوطني لتؤسس لخطاب ثقافي وطني تحرري مناهض ليس للاحتلال المباشر لفلسطين، وإنما للثقافة الكولونيالية إن جاز التعبير، متأثرة بذلك بالخطابين السائدين آنذاك : القومي والشيوعي. وقد صاغت المنظمة خطابها الثقافي- الذي يعاني من ثغرات كثيرة بالمناسبة- عبر اطر مؤسساتية من جهة وفواعل ثقافية وجدت في تلك الأطر ساحة إبداعها.
الخطاب الثقافي الفلسطيني الذي تأسس منتصف القرن الماضي كرد فعل مباشر على " النكبة" وكنتاج لرؤية منظمة التحرير، ساهم بشكل مباشر بصياغة حديثة للهوية الوطنية، وصقل الشخصية الفلسطينية الجمعية والفردية على حد سواء. وهما هوية وشخصية تقومان على رفض ومناهضة الكولونيالية المباشرة المتمثلة في " اسرائيل" وغير المباشرة الراعية لتلك الدولة الوليدة. ومن هنا ليس من اليسير الفصل بين تعبيرات تلك الهوية ومناهضة حاملها للكولونيالية خطابا وممارسة
باعتقادي ما لم يدرس حتى الآن بعمق، هو الخطاب الثقافي الفلسطيني الحالي الذي ولد من رحم السلطة الفلسطينية وعلى أنقاض منظمة التحرير. فالسلطة الفلسطينية امتد زمنها وتشعبت أدواتها وتعمق أثرها في الحياة الفلسطينية. وهي كأي سلطة لابد وأن تنتج خطابها الثقافي الخاص بها، خاصة إذا ما سلمنا بحقيقة مرة مفادها أن برنامج هذه المؤسسة مختلف بل ومناقض تماما لبرنامج منظمة التحرير وخطابها الثقافي الخادم له.
الأسباب التي تدفعني لهذه الاعتقاد كثيرة، ويمكن ملاحظتها بكل يسر في الشارع الفلسطيني، بل ويمكن التقاط ملامحها من المفردات التي ينطقها المواطن البسيط قبل نخبته. وبشكل عملي وكتعبير عن هذا التحول انهارت الأطر والمؤسسات الثقافية التي افرزتها المنظمة كتعبير عن نهجها التحرري أو ضعفت، وحلت مكانها مؤسسات بديلة تتماها مع الخطاب الوليد وعلى رأسها وزارة ثقافة السلطة الفلسطينية. وهذه الوزارة لا تنتج على الإطلاق أي خطاب، فهي أعجز من أن تقوم بهكذا عمل. وإنما تشجع وتدعم وتكرم وتبرز من يساهم بإنتاج وتلميع الخطاب الذي تمثله ويساعدها بذلك مؤسسات الاخطبوط الدولي
ومع تحول الأطر الثقافية فقد تحول بطبيعة الحال الفاعل الذي يعمل داخل هذه الأطر، إما عبر تغييبه و كتم صوته أو بتدجينه. وبالتالي انتقل هذا الفاعل ليصبح حاملا للخطاب الثقافي الفلسطيني الجديد. وهو خطاب له ملامحه وأدواته الواضحة بقوة
























