شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 14 مايو 2026م21:19 بتوقيت القدس

ياسر حمدونة... تعال لنتحدث شهيداً لميّت

28 سبتمبر 2016 - 00:17
خالد جمعة
شبكة نوى، فلسطينيات:

أظن أنك لم تكن تفضّل لقباً آخر بعد "الأسير"، لكن لقب الشهيد تمسك بك، وكأنه يريدك، ولم نعرف إن كان لك الخيار في أن تريده أو لا.
تعال نتحدث شهيداً لميت، وجهاً لوجه، أنا الميت بالطبع مثل كثيرين غيري أراهم في الشارع يحملون أكفانهم ويدخنون ويشتمون الظروف، وأنت شهيد، تتمتع برضى لا يضاهى، لم يعد يعنيك العالم، ولم تعد تكترث لكل هذه الحفلة التي أقيمت من أجلك، أمك وحدها أخذت وجه ملاكٍ غاضب وحملت نعشك على يديها الضعيفتين، وأسندته إلى رأسها، ولم تزغرد، حزنت كثيراً كعادة الأمهات حين يموت أبناؤهن، وتضخم قلبُها ليتسع لتلك الدمعات التي لم تستطع الخروج لازدحام الدمع في طابور على باب الروح، أمك، ثم أمك، ثم أمك...
تعال نتحدث شهيداً لميّت، وأخبرني الحقيقة، هل تضخم عضلة القلب كان السبب؟ أم أنها الرغبة في ترك هذا العالم الذي لم يعترف بك إلا شهيداً؟ أخبرني بالحقيقة فلا أحد سيتمكن من محاسبتك على ما تقول الآن، فالشهداء لديهم حصانة شعبية أكثر من أي وزير أو عضو مجلس، أخبرني لأن الأولاد يسألونني عنك، يريدون معرفة كيف عشت حياتك، هل كنت تدخن أم لا، بماذا كنت تحلم، ما هي أكلتك المفضلة ولونك المفضل، وماذا كنت تقرأ، وكيف كنت تنظر إلى السجّان حين يمر بباب الزنزانة، وكل هذه الأسئلة الخرقاء التي لا أعرف كيف يخترعها الأطفال.
تعال نتحدث شهيداً لميت، ربما استطعتُ أن أؤلّف لاستشهادك معنىً جديداً ليس للشهداء قبلك، أعرف أن ذلك صعب، لكثرة الشهداء حتى أنهم لم يتركوا باباً لم يطرقوه، المعاني كلها تقريباً حملها الشهداء، كل شهيد على حدة، أو كجماعات، أو كمفاهيم، لا عليك...
فيما نحن نتحدث، هل تشرب شاياً أم قهوة؟
ماذا رأيت في لحظتك الأخيرة؟ وهل عرفت أنها لحظتك الأخيرة؟ هل تألّمت؟ هل قلت شيئاً لأحد بجوارك؟ هل أخبرته سراً من أسرارك؟ أم تراك كنت وحيداً في تلك اللحظة المحرجة للصحافة والكاميرات، فالصحفيون يعضون على نواجذهم لأنهم لم يتمكنوا من الدخول إلى زنزانتك، فما قيمة كل هذا التقدم التكنولوجي إذن؟
ياسر حمدونة، لن ننجح في رثاء أمثالك، لأننا لن نرث دمك، فتركة دمك ثقيلة، ثقيلة إلى الحد الذي يجعلنا نفقد لغتنا، لكننا يجب أن نكتب لنظل في المشهد، وفي الغالب، نكتب عن أنفسنا لا عنك، وندّعي أننا نشارك أهلك وأصدقاءك مصابهم، نحن لا نكذب كثيراً، لكن صدقنا مؤقت، تماماً كما كل شيء في هذا الوطن، مؤقت، وقلبك كان كل الوقت مؤقت، وانفجر في لحظته تلك، وقال كلمته الأخيرة.
ياسر حمدونة... عندما نموت على فراشنا بعد حين، سنتحول من ميّتين غير مرخصين، إلى ميتين مرخصين، ولا أظن أن أحداً منا سيراك وقتها لأنك ستكون في مكان لن يستحقه أحد فينا، فمن ذا يرى عيني أمّك أمام النعش ولا يفقد ثقته في كونه حي؟

كاريكاتـــــير