شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 14 مايو 2026م23:04 بتوقيت القدس

الإرهاب والتوحش

27 سبتمبر 2016 - 08:04
مهند عبد الحميد
شبكة نوى، فلسطينيات:

جريمة اغتيال الإعلامي الاردني ناهض حتر هزت  الرأي العام في الاردن وفلسطين أكثر من غيرهما من البلدان. وأحدثت نوعا من الاستفتاء بين مؤيد ومعارض . وفي حين كانت الغلبة للمتضامنين مع الضحية وللمستنكرين والرافضين للقتل  في الخطاب السياسي والاعلامي، كانت الغلبة لمؤيدي القتل  بين نشطاء التواصل الاجتماعي، ومن بينهم "شامتين" على خلفية الخلاف السياسي مع الفقيد الراحل حتر.  الاستفتاء كشف عن حالة من الفصام  بين الموقفين الرسمي والشعبي، وبين المؤسسات والافراد، وبين المعلن وغير المعلن أو المسكوت عنه. لكن الجدل والنقد وانثيال الاسئلة حول الحالة العامة والازمة العميقة  التي تعيشها المجتمعات العربية، سؤال  إلى أين نحن ذاهبون.. ماذا بعد ؟  كان العزاء الأهم وسط المشهد الدرامي الكئيب.     جريمة  قتل الاعلامي حتر وما انطوت عليه من  قتل الحق في الحياة، وقتل لحرية التعبير  وللحق في الاختلاف، وللحق في التراجع عن الخطأ والاعتذار. فالرصاصات التي اغتالت حتر ألحقت الأذى بالاعلاميين  وبالمواطنين وبالقانون والنظام ، لكنها وفي الوقت نفسه طرحت مفارقة أربكت كثيرين ووضعتنا أمام معايير مزدوجة. ذلك ان جريمة قتل حتر  ترافقت وتترافق مع   جرائم  قتل أبرياء سوريين ما يزال الكثير منهم تحت أنقاض الدمار. إن موت أكثر من 300 سوري  خلال ايام بينهم أطفال ومسنون ونساء، لم يثر جلبة بمستوى هذه المأساة، وبمستوى عذابات بشر يطلقون صرخات الاستغاثة من تحت الانقاض.  هذا يطرح سؤالا حول الضمير الانساني الحي الذي استنكر وتفاعل مع قضية اغتيال حتر وكان مصيبا في ذلك، لكنه لم يستنكر ولم يتوقف عند قضية قتل الأبرياء في حلب وتدمير أحياء بالصواريخ الثقيلة. ليس المقصود هنا وضع التضامن والاهتمام بقضية الشعب السوري الذي عاش محنة قل مثيلها في القرن الحادي والعشرين، في مواجه التضامن والاهتمام بقضية حتر .المطلوب هو وضع قضية ناس وأبرياء يموتون على أجندة المتضامنين. فالحرب على الإرهاب لا تتجزأ . ولا فرق بين دم ودم من بين الذين يتعرضون للموت والإرهاب والدمار. ولا يجوز غض النظر عن أعمال قتل وجرائم بسبب الاتفاق السياسي مع مرتكبها، بمثل ما لا يجوز الموافقة على جريمة قتل الاعلامي حتر بسبب الاختلاف السياسي معه. إن المعايير المزدوجة التي تفرق بين إرهاب الدولة وإرهاب المنظمات التكفيرية، وفي تأييد ديكتاتوريات ترتكب جرائم على خلفية الاتفاق معها سياسيا، ومعايير مزدوجة في التضامن مع الضحايا.  هذه المعايير المزدوجة والمأخوذ بها تعبر عن حالة من الانفصام المتنافرة مع مبدأ حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، والمتناقضة مع حقوق الانسان كفرد وجماعة، ومع منظومة الاخلاق.  بالعودة الى  خلفية ومدلولات جريمة قتل الاعلامي ناهض حتر، التي نفذت في وضح النهار وعلى مدخل "قصر العدل"  . هذه  العملية  التي تغص بالرموز. فالقاتل يَتَهِم ويُحاكِم ويُمارس إنفاذ القانون باليد ويستخدم المكان ذاته  الذي يفترض به إقامة العدل في أحكامه بعد استنفاد الدفاع. والقاتل يتصرف كمن يملك تفويضا سماويا بعقاب الناس فهو يُكَفِّر المتهم  ويعاقبه فورا دون مساءلة . ويفرض سلطته الدينية بنوع من التحدي والثقة بالنفس. ثم يذهب الى الشرطة ويعترف بفعلته دون ندم او اعتذار. أراد أن يقول للسلطة الاردنية بكل مكوناتها، هكذا تمارس السلطة ويكون الحكم، فإما أن تفعلوا ذلك وإلا فنحن أولى. هل هذا يعني وجود ازدواجية لسلطتين واحدة مدنية والأخرى دينية؟ إن  الزعم بالازدواجية له ما يسنده في العديد من المواقف والسياسات، فثمة ممارسة لفعل الابتزاز طوال الوقت، والابتزاز سلاح فعال يترك بصماته على المواقف الرسمية، بدعوى تفادي ما لا تحمد عقباه. كان المثال الابرز على الازدواجية في الاونة الاخيرة التحريض الذي مارسته " السلطة الدينية" على التعديلات الطفيفة التي أدخلت على المنهاج التعليمي، وكانت السلطات الدينية في العديد من البلدان العربية  قد قامت بوضع مناهج التربية والتعليم على مقاس رؤيتها التعصبية، وما التعديلات الجديدة إلا محاولة محدودة للحد من غلواء التشدد المقحم في المناهج. جذر الازدواجية يعود الى التفاهمات المبرمة في سبعينات وثمانينات القرن العشرين  حول أشكال التقاسم الذي  تتولى فيه السلطات الدينية السيطرة على المجتمعات وفرض انماط السلوك عليها بما في ذلك خنق الحريات الفردية والعامة وحرية الابداع  والنقد من خلال منظومة من التحريم والتكفير  معتمدة في قوانين.  مقابل أن لا تحاول السلطة الدينية وأحزابها السيطرة على السلطة السياسية والأمنية أو تهديدهما. وقد أحدثت هذه الصفقة تحولات رجعية مريبة في طول وعرض البلدان العربية بدعم من البترو دولار والغاز دولار ولم يسلم بلدا عربيا واحدا من نتائج تلك الصفقة. الرجل الذي ارتكب جريمة القتل هو الابن الشرعي لثقافة رفض الاخر  وعدم الاقرار بأنه أحد مكونات المجتمع ورفض الواقع التاريخي الذي نشأ فيه التعدد الديني والثقافي  والسياسي، ثقافة امتلاك الحقيقة  من خلال اعتماد نوع محدد من تفسيرات فقهاء السلف للنص ورفض كل تفسير أو اجتهاد آخر  واستخدام سلاح التكفير في مواجهته. الثقافة التي تسربت داخل مناهج التعليم وسيطرت على الخطاب الديني والمؤسسات الدينية والعديد من المؤسسات الاعلامية ، وانتشرت عبر المساجد والدعاة  والداعيات صباح مساء. تلك الثقافة لا تختلف عن ثقافة داعش إلا من زاوية الوضوح والصراحة لدى الاخيرة  وتجسيد الارهاب الفكري الى جرائم  وقرن الاقوال بالاعمال  مقابل ممارسة الكثير من الارهاب الفكري والقليل من تجسداته العملية. ومع تضاؤل الخلاف الفكري بين الداعشية والأصولية السلفية ومعظم مكونات الاسلام السياسي ممن يشاطرونها الافكار والمواقف ، تنعدم قيمة هجومهم العلني على تنظيم داعش  الذي يتسم بالنفاق وبنوع من التمويه. المشكلة لا تكمن في خطأ هنا وخطأ هناك، بل تكمن في الثقافة والخطاب الديني والخطاب الاعلامي ومنهاج التربية والتعليم  ومنظومة القوانين والحالة الاقتصادية المزرية، والاستبداد والفساد، والتوحش العدواني الخارجي،  أسباب عديدة تتضافر معا لانتاج تعاستنا، مرة في صيغة إرهاب، ومرة في صيغة تخلف وانحطاط، ومرة في صيغة حرب داخلية، ومرات أكثر  في صيغة خوف وخنوع. ولا ريب، فإن طريق الخروج من هذه الحالة المريضة لا يكون إلا بالتوقف عند الاسباب التي قادت إليها. [email protected]

كاريكاتـــــير