شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 15 مايو 2026م00:07 بتوقيت القدس

زمالة الببغاوات

25 سبتمبر 2016 - 13:22
جمانة مصطفى
شبكة نوى، فلسطينيات:

كرهت المدرسة منذ اللحظة الأولى، مذ ضحك علي طلاب الروضة حين خلعت حذائي قبل دخول الفصل لاعتقادي أنه بيت، كان هذا في اليوم الأول في الروضة في عام 1984 في الكويت، ارتديت حذائي وجلست صامتة منكسرة.
لكن "أبلة مها" ذات الشعر الأسود الطويل والتنورة القصيرة، ابتسمت لي، وأعطتني بعض الألعاب فرضيت التواجد مع مجموعة المدللين كثيري البكاء، لأني أحببت الألعاب الملوثة بمخاط الأطفال، وأحببت الغناء عن العائلات السعيدة مع أبلة مها.
في العام التالي تبين حجم الخديعة، انتقلت إلى الصف الأول، فاختفت أبلة مها مما سمح لهم بأخذ الألعاب منا، فلم نعد نغني طوال الوقت، وأعطونا كتبا ومنعونا من الرسم عليها،وجاؤوا لنا بأبلة سهام الشقراء السمينة الطحلبية الحركة، وكانت أيضا أم حسن وحسين أولاد جيراننا ذوي الوجوه الحمراء المنتفخة.
كان حسن وحسين قد نصبوا خيمة في فناء منزلهم الخلفي للعبة "سفالة" التي انتشرت كالنار في الهشيم بين أطفال الحي في الأحمدي، اللعبة كانت تقتضي منك أن تشلح ما قدرك الله عليه، ثم تدخل الخيمة وهناك كان الأطفال يقيمون طقسا ماسونيا بأن يختاروا قربانا منهم ليرقصوا حوله وهم يغنون "سفالة سفالة".
حين أجبت "أبلة سهام" أن حسن وحسين هم من يدير لعبة "سفالة" صرخت في وجهي الصغير، وطلبت مني الجلوس في درجي، فجلست صامتة منكسرة.
فتحت صندوقا لكراهية المدرسة، كان فيه: لحظة دخول المعلمة، أصابع أوائل الصف المتقافزة، اسم جمال لأن اسمي يليه في الإجابة، العصاة المزركشة لمعلمة الفن السادية، مؤخرة معلمة الرياضيات وهي تكتب على اللوح، وعريفة الصف خولة الهبلة.
كانت خولة الهبلة تخطئ في تهجئة أسماءنا وبرغم هذا احتفظت بعرافتها، كانت طفلة بغيضة ولا بد أنها امرأة بغيضة الآن، ولعلها وضعت لزوجها لوحا في المطبخ تكتب عليه اسمه كلما ضحك.
تركنا الكويت إلى الأردن في العام 1986، والتحقت بمدرسة حكومية، فتغير السلام الصباحي من "وطني الكويت" إلى "عاش المليك" وصارت المعلمة مس وليس أبلة. وبالضرورة تلعثمت بلغة الأطفال غير المألوفة لدي، وبألعابهم التي لا أتقنها.
كرهت المدرسة أكثر وأعدت فتح الصندوق.
عضلاتي التي اضمحلت على مقاعد التعبوية الموميائية.
ظهري الذي انحنى على أدراج النعاس.
لحظات الرعب الشديد والملل الشديد والانتظارات السرمدية.
وإن كنت أحفظ طريق الشرود جيئة وذهابا اليوم فالفضل في ذلك للمدرسة.
في أحد أيام الشرود استيقظت على صوت المديرة ومعها رجلان
قالت لنا صباح الخير.
فوقفت مع قطيع المومياءات وقلت "صباح الخييييير"
نصب الرجلان ستارة بيضاء في منتصف الفصل، ثم خرجا مع المديرة والمعلمة لتدخل ممرضة ضخمة خلف الستارة وتنادينا واحدا واحدا.
كلنا يعرف أن الممرضة تعطي إبرة
وكلنا يعرف أي تؤخذ الإبرة
كنا ننتظر أسماءنا ونحن نرتجف، لا أعرف إن كان ارتجافنا بفعل الخوف أو بفعل الخزي من تخيلنا من خلف الستارة، ونظرا لأننا نحفظ ترتيبنا في دفتر الفصل فقد كانت نظراتنا تتجه تلقائيا باتجاه من سينادى اسمه بعد قليل
الكل يخرج مطأطئ الرأس، وفي النهاية طأطأنا رؤوسنا جميعا، ولم يعد هناك ما يدعو للخجل.
في الصف الثالث كتبت قصيدتي الأولى، و أخبرت المعلمة التي فرحت بي، فوقفت أمام الصف وقرأت التالي:
"يا مدرستي يا سجني الذي ... قضيتُ فيه أتعس الأيام
إما في الممر تسكعا ... أو في فصل مثل خم الحمام"
نهرتني المعلمة، قالت لي "هذا مش شعر هذا قلة أدب"
كنت أعتقد صادقة أنها ستضحك وأن الطالبات سيصفقن لي. ، لكن ما حدث هو العكس، صفقتي المعلمة وضحكت الطالبات علي، فرجعت إلى درجي صامتة منكسرة.
صرت أحب الدرج الأخير ففيه إعلان ضمني أنك تفضل التواجد بالحد الأدنى في هذا المشهد العبثي.
لاحقا تعلمت فن الهروب من المدرسة خلال الفرصة، وهذا من حسنات المدارس الحكومية في الأردن.
بعد عامين وحين صرت في الصف الخامس كانت أوضاع أبي الراحل قد تحسنت، فقرر نقل جميع أبناءه إلى مدارس خاصة، لكني رفضت لتخوفي من عدم امكانية الهروب من الباصات.
فقد كنت أحب المشي من وإلى المخروبة.
أذكر أن أبي استغرب من ردة فعلي حين أجبته بأن "كل الناس زي بعض" لا أعرف من أين أتت الجملة حينها لكنها أقنعته بإبقائي حيث أنا.
واظبت على الهروب حتى "فتنت" عنى فتاة سمينة اسمها ميساء الزبن، ونظرا لفداحة الجريمة حُكم علي بعشر عصي ساخنة من المديرة شخصيا أمام الطابور الصباحي لأصبح عبرة للطالبات.
ولأني لم أبك تلقيت خمس عصي أخرى.
ولأني لم ابك أيضا تلقيت خمس عصي فوق الأخرى.
ويبدو أن المديرة توقفت لأن يدها آلمتها. فعدت إلى درجي صامتة منكسرة.
بعد أن فشلت محاولاتي بإقناع أهلي لإخراجي من المدرسة، وبعد أن أقفلت في وجهي سبل الهروب وأنا تحت المراقبة الحثيثة من العريفات، ولفشلي التاريخي في إنشاء صداقات، لم يبق لدي سوى مكتبة المدرسة، وكانت على تفاهتها المتنفس الوحيد. وهكذا قضيت السبع سنوات المتبقية من محكوميتي.
منذ الصف الخامس وأنا أعد السنوات المتبقية، وفي اللحظة التي انتهت فيها المدرسة بدأت الحياة.
طوال تلك السنوات لم أقتنع أن من حق أي كان أن يسجنني سبع ساعات يوميا لتلقيني ما يريده دون أن يستمع لما أريده، السنوات الأقبح وقد كان يفترض بها أن تكون الأمتع.
آلاف الدقائق من زمالة الببغاوات.

كاريكاتـــــير