شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 15 مايو 2026م11:23 بتوقيت القدس

عندما صار الذل فلسطينيًا على حاجز رفح البرّي

10 سبتمبر 2016 - 11:11
مرح الواديّة
شبكة نوى، فلسطينيات:

نوى - مرح الواديّة

تجنّس الذل وصار فلسطينيًا بامتياز. يسرد غزيّون حقائق مرعبة تحدث مع المسافرين أثناء اجتيازهم حاجز رفح البرّي، من الجانب الفلسطيني أولًا والجانب المصري ثانيًا. لكلِّ واحدٍ منهم كابوسه الذي ينمو معه، أو يتفاقم أو يخفّ بحسب ما ستجري الأمور لاحقًا. لم يكن هناك فرق بين النور والظلام. قدّم الزمن استقالته، وترك الوقت مرتعاً للقلق والرّعب.

كانوا يلوّحون باستنكار الذل، الشتائم، النهب، النصب، الانتظار والتلذّذ على إذلالهم، لقاء عبورهم، مجرّد عبور المسافرين من الحاجز. "كان من الممكن الإشارة بأصابع ثابتة لتورّط كل واحد بعينه، من المرتشين بمئات الآلاف من الدولارات، بيد أن صفعةً قوية كانت ستوجّه لي، وصداها سيكون مدوّي إلى أن يقطع خبري" هكذا يقول أحد المسافرين الذي رفض ذكر اسمه.

يتابع أنهم تعرّضوا لأبشع أنواع التعذيب النفسي في الصالة المصرية قائلًا: "كنا مكدّسين كأقفاص من الخضار العفن، عبرنا بطرق كانت أصوات الانفجارات فيها تصدح بنا وتأرجح الباص يمينًا وشمالًا، عبارات سب وشتم على الفلسطينيين وعلى حماس وعلى المقاومة برغم أننا نفينا أن تكن لنا صلة بأي من التنظيمات، ولكن دون جدوى"

تطرح فتاة أخرى تساؤلًا:  "ماذا يعني أن يكون بين القاهرة وغزة أقل من 400كم وأحتاج فقط ٧٢ ساعة كي أصل منزلي بغزّة؟"، وتساؤلًات أخرى: "ماذا يعني أن أخرج من بيتي في القاهرة يوم الجمعة الساعة الثانية عشر ليلًا كي أصل "كمين الريسة" لأكون أمامه الساعة الثامنة صباحًا وبعد ساعات تحت الشمس، يأتي عسكري غير متعلم يطلق علي الرصاص لأعود ويقول لي أن الكمين انغلق! كيف يحدث هذا بعدما قضينا الليل في الشارع والمكان خطر جدًا والتفجيرات لم تتوقف من حولنا، كيف لهم أن أعادونا إلى بداية الكمين والطابور عاد ليصطف مجددًا؟"

وتؤكّد أن "كمين الريسة" ما هو إلا كمين "سرقة" يقوم فيه الجنود المصريين بفتح حقائب المسافرين حقيبة حقيبة، يكبّون الأغراض على الأرض ومن ثمّ يبدأ كل واحد منهم باختيار ما يعجبه لسرقته بكل وقاحة بحجّة أن القوانين تمنع حمل كل هذه الأغراض فرحين بسرقتها ويكأنها من غنائم "غزوة أحد" – حسبما وصفت -. وتذكر أن من بين الأغراض التي سرقت: "عطور، كريمات، أدوية، ملابس، مزيل عرق، أجهزة موبايل، لاب توبات بحدة أن عليها معلومات سرية، babyliss للشعر".

تضيف أن بعد انتهاء عملية السرقة يؤمر المسافرين بلم المتبقي من أغراضهم ليستغرق ذلك وقتًا طويلًا، وإذا ما حاول أحدهم الإمساك بهاتفه ليطلب المساعدة من مسافر آخر، يقومون بسحب هاتفته فورًا ظنًا منهم أن هذا الشخص قام بتصويرهم. تكمل الفتاة: "بعد التعطيل هذا كله، تذهب إلى خمس أو ست كمائن آخرين، كي تفتّش أيضًا وتسرق من جديد" إلى أن تصل بوابة المعبر ويبدأ مسلسل جديدة من معاناة الانتظار والتوسّل إلى الضباط كي يدخلوا ما تبقى من أغراضهم بفم مخرس خوفًا من تلفيق أي تهمة لهم بحال اعترضوا على ما يحدث.

أمّا عن مجد أبو سلامة، فتروي حكاية والدتها التي اختفت أخبارها يومين في الطريق إلى المعبر: "ماما الحبيبة منذ مغادرتها الأردن متوجهة لمصر أي قبل يومين لم نعرف أخبارها أبدًا، كانت مختفية وكأن الأرض ابتلعتها، ونحن كنا في حال لا نحسد عليه، أي كل ما يلقي الرعب في الروح ويرتجف القلب منه ويتزعزع به كان محتجزًا داخلنا حتى تلقينا اتصال ينزل في القلب طمأنينة مؤقتة نوعًا ما، كانت طوال طريقها من مطار القاهرة حتى معبر رفح البري ترتجف خوفًا مما تسمعه من تفجيرات لا تتوقف، بين الساعة السابعة والثامنة صباحًا وصلت معبر رفح وللأسف لم تُفلح بدخول غزة ككثيرين أمثالها إلا بعد مراحل من العذاب والتعنيف اللفظي والتزام الصمت من قبلها هي والمسافرين".

تضيف أنه لو كان هناك حبل حُب بالنسبة لهت فانقطع، وإن كان هناك أعذار لإحسان الظن بهم فتعدّوا كل حدودها، للأسف لم يبق شيء، داسوا على كل ما يربطنا ببعضنا وداسوا علينا فبئسهم، وتتابع: "غاضبة لأبعد حدّ بإمكان العقل تخيله، لم أرَ قوة موت بطيء بهذا الشكل كما نلقى نحن الغزّيون يوميًا ولا شممت رائحة نتنة كالرائحة التي تنزّ مَن معاملتهم على الحدود ، فقدت كل سبل معرفه السبب الوجيه وراء هذا القصاص المجحف بحق المسافرين والعائدين أو أنّهم يزيدوا من قدر الإهانة والذل حتى لا يعيدوا الكرّة مرّة أخرى"

وتتساءل: "ما هو الذنب الذي اقترفوه لمعاقبتهم بهذا الشكل البشع؟ أم مجرد السفر يستدعي كل هذا البؤس والمعاناة التي لا تطاق ، أذكر أن أمّي رغبت فقط برؤية أولادها بعد 4 سنوات من الغياب لا أكثر، أرغبة أمّ كهذه تستحق كل هذا العذاب؟!"

صار هذا خوف متراكم في صدور الغزيّين، يخرج القليل منه في بعض الجلسات، ويظلّ المتبقّي مُطْبقاً على أيّامنا. الخوف بذلك ليس نتاج يوم أو عقد أو حالة.. إنه حصاد أعوام توالت، حيث "نيّة" الهرب الغزّاوي الجماعي بصور تعجز المخيّلة عن مجاراتها جرّاء "غول" يحتل المدينة، ويختلف تعريفه فيما بينهم، هؤلاء المقهورين الغاضبين السّاخطين على كل الأزمنة.

 

كاريكاتـــــير