شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 15 مايو 2026م12:28 بتوقيت القدس

محمد السمهوري.. المدن التي تسبح مابين السماء والماء

08 سبتمبر 2016 - 22:12
من معرض "غزة تصعد الى السماء"
من معرض "غزة تصعد الى السماء"
شبكة نوى، فلسطينيات:

كتب - عمار حسن :
السمكة، البيوت والمرأة ومفردات الحياة اليومية التي يكتب عنها، هي ذاتها التي يرسمها، ورق جرائد ومانشيتات وأخبار تتوالى كما الموج الذي يحجب الأسماك عن سكان الشاطئ في غزة بسبب الاحتلال الصهيوني، جرة الغاز التي تصبح مدينة من الأحلام، وهكذا السمكة التي لم تطعم الجياع كما فعل السيد المسيح، لكنها تطعم الانتماء والمحبة لتراب بهذه القداسة.
السمكة رمز له هذه القداسة، وهي رمز أنثوي وذكوري ومعرفي في ذات الوقت، لذا نراها في لوحة محمد السمهوري بهذه المعاني المختلفة والمتجددة كل مرة، حتى إنها شكلت إشارة تخص السمهوري في إطار التكرار الذي أراد له أن يترسخ في المتلقي كاستمرار لقوة الانتماء وكصدى للرصاصة التي تطلق من أجل التحرير.
ما تقول سمكة ملونة حتى تشعل ألف غضب وحلم ورغبة بسماء فلسطين وبيوتها الملونة حد الشغف، إنه الحنين الذي ورثه محمد عن أبويه ليافا ثم لغزة التي تنهض كل صباح على صياح الديكة والأحلام، ما بين البر والبحر ما بين الأسماك والشموس هي رحلة اللوحة وهي رحلة الإنسان التائق للحرية، إنها لوحة لا تكف عن الحلم والتمرد، وجعل هذا مسموعاً بقوة اللون الذي لا يعرف المهادنة وصريحاً وجميلاً وصارخاً وموسيقياً وكأنه يكتبه على صدر صفحات الجرائد، إنه يرسم بزخم متعدد الأبعاد، بزخم الصحفي الذي ينتمي للخبر والحالة، وهو ابن المخيمات، وبتلخيص القاص، وبتحليل الروائي، حتى لتشعر معه أن غزة تصعد إلى السماء من كثرة الشهداء، كحال العديد من المدن العربية الواقعة في قبضة الإرهاب، لتكون قصة الصعود إلى السماء بغزارة وكأنه مواسم الهجرة، وهذا يفسره الإصرار على الكم والكثرة من مفردة الأشياء التي يرسمها سمكة كانت أم بيوتاً أم شخوصاً، ثمة رغبة عارمة بالتصدي والبوح وملء الفراغ، ثمة تدفق لا يتوقف ومفارقات تحدث كل مرة، فالبقرة في اللوحة مدينة من البيوت والألوان، بينما الأسماك في سماء اللوحة استعارت ألوان البقرة بمساحتي اللون الأسود والأبيض، حتى جرة الغاز أصبحت مدينة من البيوت الملونة، الكرسي ملوناً بالبيوت والبيضة، والحقيبة والجندي أيضاً مسكوناً بالبيوت لا بل هي التي تشكله، البيوت التي هي المدينة والضيعة أي هي المكان.. لنقل تبعاً لكل هذا إن محمد السمهوري مسكون بالمكان وإنه يرسمه بدرجة أكبر من الرسم، المكان والفضاء، إنه الحنين إلى السماء التي ترتفع فوق ذات المكان الفلسطيني، إنه الأزرق الذي يجمع ما بين القداسة والطهر والانفتاح على الغد الذي سيحمل معه ألواناً مشبعة بالحرية، بشكل ما يستفز السمهوري الآخر بلذّات بصرية بكل هذه الاختصارات إلى المكان والانتصارات المرتقبة لترك الحلم مشتعلاً وعالي النبرة في أعالي الروح.
أقسى الألم هو ذاك الذي يأتيك متشحاً ضحكة، هو هذا الألم الذي يأتي بلغة طفل، ويأتي بذات الوقت عميقاً وواضحاً وممتلئاً بالمعرفة، إن الطريق لواضحة أمام السمهوري، ولذا فهو يشق الطرق بلوحته بلغته التي تتفق ولغة الأرض ولغة الأم التي توصي وتعلم أطفالها أن بيتكم هناك إلى جوار القدس، إنه يفعلها بلغة الأسماك، فالسمكة تتحول إلى أم وطفل والمدينة تصبح اللوحة، لكنها في صدر القلب، هو رسم بروح طفولية وهل أقسى وأبلغ من هذه الطفولية في البوح والتصريح، ولأنه يعرف ينقل رسالته، ولأنه يعرف يرسم أسراب الأسماك التي تتدفق باتجاه الصبح، الأسماك كمحبة ومصفوفات من البشر تحتشد لتذهب على ذات الدرب، إنه الطوفان الذي لن يهدأ ويتوالد كل يوم، لا يمكن إلا أن نقف أمام هذا العمل الذي يمثل بقطعه الذكي هذا الاستمرار، ولا يمكن إلا أن نتوقف أمام هذا الصليب الأحمر اللون الذي علق عليه الثالوث المقدس..! إنه من الجرأة بمكان، إنه قال كل الأشياء دفعه واحدة، فالصليب أو الصلب هنا يتم فوق المدينة التي تتخذ من استدارتها المنحنية شكل قبة الأقصى، إنه الترميز الذكي الذي يتيح اختراق كل المحظورات في إطار سعي الفنان لترسيخ رؤيته، وفي إطار الرمز سنجده وقد رسم الأسماك والطيور والسلاحف على العلم الفلسطيني، وبالربط بين الرسم الإشاري وهو السمك هنا سنجد للوحة لديه قطبها الآخر، وقد يكون الأرض البيضة المدينة، الرحم الديك الفليفلة الحمراء الحارة، أي إن اللوحة لديه تحمل نسقاً ثانياً من المعنى أو الكسر ليشعل هذا الحوار، إنه تحليل الصحفي والروائي لمفردات الحدث ولمفردات الحلم والرغبة في الإظهار والإخفاء، إنها لوحة تحمل بعدها المعاصر في النغمة الفنية وخصوصا لجهة الكولاج واستخدام الصور الخام والإضافة عليها والإخفاء منها مقترباً من حدود المفاهيمية وإن كانت تجربته في العموم تأتي من فهم وتكرس لفهم وهذا قد حدث بالفعل، فهو يعرف أنه بهذا الإصرار على البيوت والأسماك قد كرّس مفهوم الوطن بلغة من الصعب على الآخر إلا الوقوع في لجة إشاراتها وحرارتها التعبيرية العالية التلقائية والطفولية والعفوية الفنية، بلغة الصحفي والكاتب القاص يرسم ويقترح محمد السمهوري مقترحاته ورؤاه، وصولاً إلى تلك اللوحة التي يمكن فيها للأسماك أن تشم جوري الشاطئ.
يقول عنه الباحث السوري في الجماليات المعاصرة طلال معلا تحت عنوان "السمهوري ومفارقات الخيال التمثيلي"" "إن استكشاف الانتماء، تركيبٌ أكثر وأبعد مما يمكن وصفه بالحالة الذهنية في أعمال الفنان محمد السمهوري. فهو اختبار متعدد القنوات، يستشف الفنان من خلاله قدراته التعبيرية، لتحويل خبرته وتجربته الشعرية إلى منجز بصري. واعتبار كل موجودات ذاكرته مادة أولية لسرد ملحمي، يتضمن ما هو أكثر من التحولات التي يشهدها للأماكن وكائناتها وقيمهما"، مؤكداً أنه مع السمهوري الفنان، يمكن الوقوف عند مفارقات الخيال التمثيلي، التي تعتمد على خلق توتر يستهدف شخوصه وتكويناتها بشكل مباشر، وذلك عبر ما يمكن اعتباره التخييل العاطفي، الذي يحتوي ذاته بذاته. فكل شيء هو غلاف لمحتوى يشبهه ويفصله.
أعماله لا تدعونا للشعور بالشفقة أو الحزن، ولا تسعى لابتزاز عواطفنا، فعوالم السمهوري تبدو للوهلة الأولى خيالية، مغلفة بالتفاؤل، ونكاد نسمع عبر ما نراه أغاني وقصائد في غاية التفاؤل والصراحة، حتى لو كانت بنية أعماله التعبيرية أكثر التصاقاً بالواقع على مستوى المفهوم، واصفاً أعمال المعرض بالأفكار الطبيعية للعواطف البصرية التي يفترضها الفنان لاختبار مشاعر متلقيه، واستثارة أسئلة المشاهد عن الطريقة التي يمكن أن تمزج رؤاه بما يرى، اعتماداً على الملامح التشكيلية المثيرة الخاصة بالفنان، وعلى الدوال الوجدانية التي تحقق الاستجابة الإيجابية المكثفة لتشخيصاته.
محمد السمهوري في سطور:
عمان عام 1969، فنان فلسطيني، شارك في العديد من المعارض في أنحاء العالم العربي. صحفي وكاتب قصة ورواية ويوميات في العديد من الصحف العربية.
عن جريدة "النهضة" السورية

كاريكاتـــــير