أثار قارئ مقالاتي عن رواية "أولاد الغيتو" السؤال التالي: كيف يكتب إلياس خوري في 2016، رواية تجري أحداثها في اللد في العام 1948، عام ولادته تقريباً، وفوق هذا كله لم يزر فلسطين؟ ويخيل إليّ أن السؤال فيه قدر من الخبث لا يخفى، بخاصة أن القارئ تابع مقالاتي عن بعض روايات حسن حميد "مدينة الله" وإبراهيم نصر الله "قناديل ملك الجليل" وربعي المدهون "السيدة من تل أبيب" وليلى الأطرش "ترانيم الغواية" ولاحظ بعض انتقاداتي عليها، وعدّه تصيّد أخطاء. كتب حميد روايته عن القدس التي لم يزرها، ونصر الله روايته عن نهاية ق17 وبداية ق18 معتمداً على مراجع جغرافية وتاريخية، وزار المدهون فلسطين زيارة عابرة، وكتبت الأطرش عن القدس التي عرفتها شابة، وزارتها كبيرة زيارة عابرة، منذ نهاية الحكم العثماني حتى فترة قريبة، دون أن تخوض في تفاصيل حياة المدينة إبّان الحكم الأردني لها. كتب حميد عن قدس غير التي نعرفها، قدس نعرف عنها في الكتب، واعتمد نصر الله على الكتب، أيضاً، ونسي أحياناً الفارق بين لغة الزمن الروائي ولغة الزمن الكتابي، بل إنه في روايته "زمن الخيول البيضاء" كتب عن نوعين من العملة في فلسطين؛ الجنيه والدينار، وكان الأول هو العملة المتداولة حتى 1948 تقريباً، فيما عرف الدينار في العام 1950 وأخذ يتداول، وتنتهي الرواية مع العام 1948، وأما المدهون فقد جعل حاجز حوّارة قرب قلقيلية، لا قرب نابلس، وفي روايته "مصائر" وقع في أخطاء معلوماتية أحصاها له بعض النقّاد، وأما الأطرش فقد جعلت المسجد الحرام في القدس، لا في مكة، وكتب الخوري، في روايتها في العام 1931، رسالة تحدث فيها عما جرى في العام 1933. في كتابه "فن القصة" ينصح د. محمد يوسف نجم الكتاب بأن يتقيّدوا، في أثناء كتابتهم، بالمجال الذي يعرفون، فهذا يمنح ما يكتبون الصدق الذي دونه يصبح العمل الأدبي بلا قيمة. ويضرب مثالاً على كتّاب لم يلتزموا، وهم يكتبون، ببيئتهم، فكتبوا عن بيئات لا يعرفونها، ويذكر اسم الكاتب المصري محمود تيمور وقصته "نداء المجهول" التي تجري أحداثها في لبنان زمن الحكم العثماني، ويرصد نجم بعض الأخطاء التي وقع فيها تيمور ومنها أنه كتب عن طابع بريد سوري في فترة لم تكن سوريا فيها أصدرت طوابع بريد خاصة بها، وأن الكاتب كتب عن صحارى شاسعة في لبنان، وهكذا وقع تيمور في أخطاء تاريخية وجغرافية في تصوره لبيئة القصة. وقد تنبّه بعض الكتّاب إلى ما أثاره نجم، فالتزموا، وهم يكتبون، بالبيئة التي عرفوها، وحين كتبوا عن بيئات لم ينشؤوا فيها، زاروها، ورسموها ثم كتبوا. فمثلاً، نادراً ما كتب نجيب محفوظ عن بيئة غير القاهرة، وحين كتب "ميرامار" التي جرت أحداثها في الإسكندرية، كتبها بعد أن كان يتردد على المدينة وفنادقها. والشيء فعله الطاهر وطار حين كتب روايته "الزلزال". زار وطار قسنطينة وتجول في شوارعها وأزقتها وحاراتها وجلس في ساحتها، وما تجوال بطله بو الأرواح في المدينة إلاّ صورة عن تجوال وطار نفسه فيها. وقد كتب وطار عن الأماكن التي رآها، ولم يكتب عن البيوت في المدينة، لأنه كما قال لم يدخل إليها "لم أدخل داراً واحدة في قسنطينة الكبيرة العريضة والطويلة، مع أنني طفت بها كلها.. إن سبب ذلك واضح، فأنا لا يمكن أن أقتحم عالماً مغلقاً دوني، بحكم أنني لست منه" (مجلة فصول، أيار 1989، ص134). هل تعدّ "أولاد الغيتو" رواية مكان أصلاً؟ مع أن العنوان لا يخلو من المكوّن المكاني "الغيتو" إلاّ أنه يكتب عن حياة من عاشوا فيه بالدرجة الأولى، وعن الشخصية الرئيسة المحورية آدم، ولذلك يذيل بالعنوان الرئيس عنوان آخر هو "اسمي آدم"، وآدم هذا يريد أن يكتب سيرته، وهي لا تقتصر على اللد مكاناً محدداً، فقد سافر إلى نيويورك وأقام فيها، وأتى على حياته فيها أيضاً. ثم إنه شغل بشخصية شاعر أموي هو وضّاح اليمن، وأراد أن يكتب عنه رواية يكون بطلها موازياً لأبطال غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس". هكذا تتوزع "أولاد الغيتو" على أزمنة مختلفة، وأمكنة مختلفة: مكة، والشام، ونيويورك واللد، والحضور الأساس فيها هو للمدينة الفلسطينية وتحديداً لحي من أحيائها في العام 1948، ويترك إلياس أحد شهود احتلال المدينة في تموز 1948 يروي ما جرى، ولا يكون للمكان الحضور الأبرز في الرواية، إذ الحضور الأكبر هو لما مرّ به من بقي في المدينة. في مقابلة حديثة مع الروائي أجراها معه الفلسطيني سليم البيك، أتى إلياس على هذا الجانب، ومما قاله: "التاريخ في "أولاد الغيتو" كالتاريخ في "باب الشمس" وما يهمني فيها هو ألاّ أكتب أخطاء تاريخية، بمعنى أن أقول إن عين الزيتون سقطت في يوم كذا ويكون غير صحيح، فدققت في المصادر الفلسطينية وبشكل أساسي الإسرائيلية. هنا كذلك الأماكن والمفاصل العامة، كلها دقيقة ـ الغيتو حقيقي وموثق ولست أوّل من كتب عنه.." ويضيف الروائي: "المفاصل التاريخية في الرواية صحيحة حتى لا تدمّر المصداقية في القصة بأخطاء تقنية...". النقّاد، للأدباء، كائنات لا تحتمل خفّتها. ربما لهذا هجاهم الروائي إبراهيم نصر الله.
























