في العام 2003 نشر الروائي صنع الله ابراهيم رواية «أمريكانلي: أمري كان لي»، ويسردها شكري أستاذ التاريخ المصري الذي يزور كاليفورنيا، في الولايات المتحدة الأميركية، ليدرس في جامعتها فصلاً دراسياً واحداً، في حلقة دراسية. يقول شكري عما سيقوم به وينجزه: «إن حقبتنا قد تبدو غير مألوفة، لأن موضوعها ليس حقبة معينة من التاريخ أو قضية من قضاياه الشائكة، وإنما الموضوع هو التاريخ الشخصي للمحاضر، وليس الأمر بالطبع سيرة ذاتية، فهذه لا تهم أحداً غير صاحبها. إنما الفكرة هي محاولة دراسة نشاط مؤرخ عربي معاصر..».
هذا المؤرخ العربي لا بد أن يكون أنفق سنوات طويلة في المهنة، وهذا ما تحقق لشكري، فقد أنفق ما يزيد على الثلاثين عاماً، ولا بد من تتبع العوامل التي ساهمت في توجيهه إلى دراسة التاريخ، وإلى اعتماده منهجاً معيناً في أبحاثه، ثم محاولة تقويم هذا المنهج وتقدير نصيبه من النجاح والفشل.. إلخ (ص34). يتذكر قارئ رواية «أولاد الغيتو» رواية صنع الله هذه، ففيهما كتابة عن أميركا والتدريس في جامعاتها، وفيهما كتابة أيضاً عن المجتمع الأميركي، ثم إن آدم وشكري يتحدثان عن تجاربهما ويأتيان على حياتهما في أميركا، ولكن الأهم من هذا كله هو الحديث أو الكتابة عن الذات، على الرغم من وجود فارق هامشي يتمثل في أن شكري لا يقص سيرته الذاتية، خلافاً لآدم الذي يروي جانباً كبيراً من سيرته، حتى إنه ليحتار إن كان ما كتبه في دفاتره رواية أو سيرة ذاتية أو تاريخاً. في ص 202 وما بعدها من «أولاد الغيتو» يأتي آدم على قراءاته التي تشكلت فيها دفاتره التي شكلت رواية إلياس خوري.
ومن هذه القراءات بحث كتبه الدكتور ميخائيل سمارة أحد أبناء اللد الذين عاشوا في الغيتو في العام 1948، ثم ذهب في أيلول 1982 إلى بيروت، وذلك خلال مجازر صبرا وشاتيلا، ليكون شاهداً على ما جرى. كان بحث الدكتور ميخائيل، في الأصل، محاضرة ألقيت في المؤتمر السنوي لجمعية الخريجين العرب في الولايات المتحدة الذي عقد في تشرين الثاني 1982، وقد أشار الطبيب في مقدمة بحثه إلى أنه ذهب إلى بيروت في أوائل آب، من ضمن وفد من الأكاديميين الفلسطينيين ترأسه الدكتور ابراهيم أبو لغد.
وقال إن مشاركته في هذا الوفد تمت بطلب من ادوارد سعيد الذي لا يستطيع أحد أن يرفض له طلباً. المهم هنا ما لاحظه آدم على بحث د. ميخائيل سمارة يوم قرأه، حين نشر في «شؤون فلسطينية»: بدا لي أسلوب المقال ذاتياً، بل إنه لاحظ أن ما قرأه كان خطاباً ألقاه صاحبه في أميركا أمام حشد من الأساتذة الأميركيين من أصل عربي. قرأ آدم المقال وهو في بيروت، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة، ولم يفهم الطابع الحميم له، بل إنه انزعج من هذا اللون من الكتابة «ولم أفهم أسلوبه إلاّ حين أتيت، بعد سنوات، إلى نيويورك، واكتشفت أن ما بدا لي غريباً هو أحد خصائص الحياة الأميركية، حيث تنحو خطب المناسبات السياسية منحى مشخصناً يعطيها طابعاً صادقاً».
ما لاحظه آدم، وما تعلمه لاحقاً، بل وما تأثر به وهو يكتب دفاتره، يحيلنا إلى المقدمة التي كتبها إلياس، وأتى فيها على موقفه من الكتابة عن الذات في الرواية: «لا أريد أن أروي عن نفسي» ص12، يكتب إلياس، وحين كتب وروى عن نفسه، إنما فعل هذا لأن طالبته (سارانغ لي) أعطته دفاتر آدم. إن ما يذهب إليه الروائي في المقدمة يسير بعكس ما كان يفعله آدم/ المؤلف الضمني وهو يكتب دفاتره التي احتار إلياس في باب تصنيفها: «إنها تراوح بين الرواية والسيرة الذاتية، وبين الواقع والتخييل، وتمزج النقد الأدبي بكتابة الأدب»، ويكتب إلياس رأيه في الدفاتر معبراً عن حيرته في تجنيسها: «لا أعرف كيف يمكنني تصنيف هذا النص من حيث الشكل أو المضمون، فهو يمزج الكتابة بكتابة تمهيدية، ويخلط السرد بالتأمل، والحقيقة بالخيال، كأن الكلمات تصير مرايا الكلمات وإلى آخره..» ص16.
سيوهمنا إلياس الذي اعترف في إحدى المقابلات بأن آدم شخصية من اختراعه، وأنها ليست شخصية حقيقية، بأن كل ما فعله هو أنه أعاد ترتيب الدفاتر، وأنه لم يضف إليها كلمة واحدة، سوى كتابة عناوين الفصول الداخلية، كما أنه لم يحذف من المخطوط شيئاً. والسؤال هو: هل نجح حقاً في إيهامنا؟ إن حيرة إلياس في دفاتر آدم وتصنيفها تبرز في النص على لسان آدم نفسه، ما يجعلنا لا نبالغ أو نشتط حين يوحد بين الروائي وبطله. وبإمكان القارئ أن يعود إلى الصفحات التالية ليرى إن كنت أذهب بعيداً في كتابتي: 98/99/151/152/174/182/185/290... إلخ. مرّة سخر زميل لي من كتابة مقالاتي في الأيام، لأنها ذات طابع شخصي، هل كنت أكتب على الطريقة الأميركية دون أن أدري؟ الله المستعان.
























