غزة-نوى-آلاء عوني المقيد:
"النَوَر" إحدى شرائح المجتمع الفلسطيني في غزة التي تُعاني النظرة الدونية والرفض لوجودهم؛ نظراً لمِا سُبغ عنهم في صفحات التاريخ, فمازال المجتمع يربط اسم " النَوَر" بالرقص والغناء, رغم أنها عادات طُردت من قاموس حياتهم لكن على ما يبدو فالناس لا تنسى.
في منطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة يعيش محمد (ف) مع عائلته في حارة "النَوَر", حاول جاهدًا توضيح صورة أفضل عن "النَور" والمقاربة بين عاداتهم وعادات المجتمع الفلسطيني، فعند سؤاله عن أبرز العادات التي مازال "الغجر" يتمسكون بها ؟! ردّ مندفعًا :" نحن نَوَر وليس غجر"؛ ما الفرق إذن ؟! يُجيب :" الغجر هم من يرتبط اسمهم بالرقص والغناء " وأنتم؟! أجابنا بحُرقة :" الموت أقرب لأخواتنا وبناتنا من أن نراهم يرقصون في السهرات".
يكمل محمد:"الرقص والغناء والعادات التي مازال المجتمع يعتقدها عنا اندثرت وجيلنا لا يعرفها ولم يُمارسها, ورغم ذلك المجتمع يرفضنا وينظر إلينا بازدراء ودونية"، مشيرًا إلى أنه يفتخر كونه " نورياً " ملتزماً بعادات وقِيم مجتمعه الفلسطيني المحافظ رافضًا لهذه العادات التي تنسلخ عن الدين والقيم المجتمعية.
خلال إجابته لسؤال عن أصولهم التي يُعيدها التاريخ إلى الهند وإيران ومناطق وسط وجنوب آسيا قال :"نحن أصولنا عربية فلسطينية, لكن الناس حينما يسمعون منّا لغتنا التي لا يفهمها إلا النَوَر يعتقدون أن أصولنا تعود إلى الهند وغيرها وهذا ليس صحيحًا".
ويُشار إلى أن للنَوَر لغة خاصة بهم تسمى باللغة "النَّوريَّة، أو "العصفورية "، وهي لغة شفاهيَّة، غير مكتوبة, يسهل على الصغار تعلمها كونهم يسمعونها من الكبار, إلا أن هذه اللغة اندثرت معظمها وبقي الجيل الكبير هو من يحفظها.
يشير إلى أن شريحة واسعة من النَوَر متعلمة وانفتحت بفكرها على المجتمع وحاولت تقريب وجهات النظر فبعضهم تقبّل والبعض الآخر من المجتمع مازال يرفضهم.
"التسول مهنة "
من العادات التي مازال النَوَر يُمارسونها هي تسول نسائهم من "أجل لقمة العيش" كما يقولون, فلا يجد محمد حرجًا من عمل النساء النوريات في التسول باعتباره عملهم الذي ألفوه منذ نشأتهم وهو خيارهم الوحيد لتوفير لقمة العيش لعوائلهم في ظل الحصار المجتمعي, شقيقته إخلاص قاطعت حديثنا لتُكمل :"لو أننا وجدنا فرص عمل تحفظ ماء وجهنا لن نرفضها وسننتهي من عادة التسول".
وتستهجن إخلاص حرمانهم من الوظائف الحكومية والخاصة ؟! وتردف :" هل لأننا نَوَر نُحرم من العمل ؟! وحتى في المساعدات التي هي بالمفترض تشمل جميع فئات الشعب الفلسطيني لا نحصل على شيء دون سبب مقنع مع أن أوضاعنا الاقتصادية سيئة".
وللنَوَر طقوسهم الخاصة بالزواج، منها أنهم لا يحبذون تزويج الغرباء حفاظًا على نسلهم ولأن المرأة عندهم مصدر الرزق, إلا أن ذلك لا يمنعهم من مصاهرة كبرى العوائل في المجتمع كما تقول إخلاص, ويقومون بتبرئة بناتهم من التفريط بشرف العائلة بالإعلان عن ذلك بطريقتهم الخاصة وسط جمع من النساء والرجال.
أما جارتهم الحاجة أم محمد فتجلس على كرسي متحرك وكانت ستُنهى حديثها معنا على عجل لتذهب للتسول تقول :"تخلينا عن الرقص والغناء في السهرات والحفلات الليلة منذ الانتفاضة الأولى 1987م وما جرى بعدها من حروب وويلات أصابت المجتمع الفلسطيني الذي نحن جزء منه"، موضحةً أن غجر مصِر والأردن كانوا يأتون إلى غزة لإقامة سهرات الرقص والغناء وعندما عادوا إلى مواطنهم ظلّت تهمة الرقص ملتصقة بنَور غزة حسبما تقول.
وإذا سُمح للنوريات الذهاب إلى المدارس لإعطائهن فرصة التعليم فإن ذويهن يُرافقهن ذهابًا وإيابًا خوفاً عليهن، أو يتم فصلهن من المدارس خوفًا عليهن من "التحرش الجنسي"، كون المجتمع يعتقد أن النوريات لحمهن رخيص وفقًا لما تُحدثنا الحاجة أم محمد .
أصل النَوَر
ويختلف المؤرخون في معرفة أصول النَّوَر فهم قبائل قدمت من أماكن مختلفة وامتهنت 3 حرف، منها الحدادة والرقص وإحياء الحفلات والتسول، ورجالهم يعملون في الحدادة يقول المؤرخ الفلسطيني د. سليم المبيض:" كان رجالهم صُنّاعًا مهرة في" الشرنشة المخبورة" وهي صناعة أدوات الحصاد حيث يجيدون تحميتها وإعادة تشكليها".
يردف:"النَوَر فئة من المجتمع أول سكنهم كان في القسم الجنوبي للشجاعية المعروفة بمنطقة التركمان, من ثم بدأوا بالانتشار في أماكن مختلفة من القطاع كخانيونس والنزلة في شمال القطاع و الزيتون و الصفطاوي".
ويترواح أعداد النَوَر في قطاع غزة ما بين 100-200 نسمة وفقاً لآخر ما توصل إلى المؤرخ د. المبيض.
وتزخر الأمثال الشعبية بلفظ النّور أو النّوري "معظمها كانت تضرب في النصب والاحتيال والشتيمة منها "زي النوري من غير كور"" الكور " النفخ في النار وهو له علاقة بمهنة الحدادة " زي النورية الي راح دفها "" الدف هو الغناء".
ولا يُمثل النَوَر في قطاع غزّة ممثلين في السلطة التشريعيّة ولا في الأحزاب ولا في المؤسّسات نظرًا لقلة عددهم، لا يستفيدون كما ذكرنا سابقاً من المساعدات التي تخصّص لأهالي القطاع, مما جعلهم يتمسكون " بالتسول " كمهنة لنسائهم العنصر القوى في العائلة, أما نظرة الكره والحقد المجتمعي فهي متبادلة بين المجتمع والنَوَر الذي يعتقد أن المجتمع الأصلي هو من جعل منهم راقصين واستخدمهم للترفيه عن نفسه.
وفي ذلك يُعقّب د. المبيض:" بحسب ما يُنقل عنهم في السنوات الأخيرة فإن النَوَر لديهم العديد من العادات المنبوذة مجتمعياً تغيرت ومع تغيّر واقعهم لابد من تغيّر النظرة المجتمعية اتجاههم والعمل على ادماجهم فعلياً مع المجتمع الفلسطيني" .
























