شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 16 مايو 2026م05:09 بتوقيت القدس

لماذا تحول الربيع العربي إلى شتاء قارس

19 اعسطس 2016 - 15:29
محمد ياغي
شبكة نوى، فلسطينيات:

نجحت ثورتا تونس ومصر العام ٢٠١١؛ لأن جيشي البلدين اختارا على الأقل الوقوف على الحياد في الصراع الذي دار بين شعبي البلدين ونظاميهما. بانهيار قوات حفظ النظام العام في تونس، وقوات الأمن المركزي في مصر، لم يتبق للنظامين من دعائم تحميهما، واختارا الرحيل. في سورية وليبيا والبحرين، اختارت جيوش هذه الدول الانحياز لأنظمتها. الأسباب التي أدت لذلك ليست مهمة الآن. ما هو مهم، أن فشل هذه الثورات كان الاحتمال الأكبر لأن الشعب الأعزل لا يمكنه الانتصار على جيش مدجج بالسلاح. في اليمن، انقسم الجيش على نفسه، جزء مع النظام وجزء ضده، ما أدى إلى حالة من الجمود. لا النظام تمكن من الانتصار، ولا الثورة استطاعت أن تشق طريقها إلى إحلال نظام بديل. التسوية كانت سعودية: الحفاظ على النظام القديم تحت قيادة نظام عبد ربه منصور هادي، نائب العقيد علي عبد الله صالح منذ العام ١٩٩٤. في سورية وليبيا، جرى التركيز على وحشية النظامين كسبب رئيس في تحول الثورتين من طابعهما السلمي إلى المسلح. ادعى البعض أيضاً أن وفرة السلاح في البلدين، دفعت «الثوار» لاستخدامه دفاعاً عن النفس. لكن أحداً لم يخبرنا لماذا لم يتحول اليمن إلى ساحة حرب أثناء الثورة في الوقت الذي تزيد فيه عدد قطع السلاح الموجودة على عدد سكانه. ولم يخبرنا أحد لماذا لم تتحول البحرين إلى سورية علماً أن المتظاهرين فيها تعرضوا للقتل أيضاً مثلما تعرض له أبناء درعا السورية، وهي إضافة لذلك مُقَسمة طائفياً مثلما هو حال سورية. الحديث عن وحشية نظامي الأسد والقذافي، يستدعي أيضاً التذكير، بما جرى في ميدان رابعة بالقاهرة من فض دموي للاعتصام، ولكنه لم يؤد إلى تحول «الثوار» إلى ميليشيا مسلحة تقاتل جيش بلدها. الحقيقة هي أن السبب الرئيس الذي أدى إلى الحروب الأهلية في سورية وليبيا واليمن (مؤخراً)، هو نفسه الذي أدى إلى تدمير العراق: التدخل الخارجي. نظام صدام حسين كان دموياً، وربما أكثر دموية من أي نظام آخر في الشرق الأوسط. كان نظام من المستحيل الخلاص منه بثورة شعبية، فعندما ثار جنوب العراق ضده مثلاً بعد هزيمته في حرب الخليج الثانية العام ١٩٩١، قام النظام بوأد الثورة بالحديد والنار. لكن الغزو الأميركي الذي أطاح بالنظام العراقي لم يجعل حياة العراقيين أفضل. اليوم العراق فعلياً مقسم إلى ثلاث دول فعلية: واحدة تديرها «داعش» بإرهاب يفوق قدرة البشر على الخيال، وواحدة يديرها الأكراد، والأخيرة تديرها حكومة في بغداد تسمي نفسها «مركزية». تقسيم العراق ليس النتيجة الوحيدة للتدخل الخارجي. اليوم أكثر من ثمانية ملايين عراقي (ثلث الشعب العراقي) هم لاجئون. الأمن الشخصي معدوم حتى في مساجد الله. غالبية الناس بلا أعمال. إرسال طفل إلى المدرسة أو خروج امرأة إلى سوق الخضار مغامرة قد تؤدي إلى الموت. التدخل الخارجي لم يُزِل النظام فقط، لكنه دمر الدولة: المؤسسة التي تدير وتنظم حياة البشر بشكل يومي حتى لو كان هذا النظام جائراً.  عندما تفشل الثورة في الاستيلاء على الدولة ومؤسساتها، نقول بكل بساطة: إن ظروف الثورة لم تكن ناضجة: الجيش لم يصل بعد إلى قناعة بأن عليه التخلي عن النظام. الناس ليست على قناعة بعد بأن التغير ضروري. الشعب لم يتخلص بعد من خوفه. المشاركة الشعبية لم تكن كافية لإقناع الجيش للانحياز للثورة. هنالك الكثير من الأسباب التي قد تؤدي إلى فشل الثورة، وليس من الضروري أن يكون هنالك سبب واحد لهذا الفشل. لكن الفشل لا يسقط الدولة. سورية وليبيا واليمن لم تتحول إلى ساحات لحروب أهلية بسبب طائفية النظام في الأولى وجهوية النظام في الثانية، وقبليته في الثالثة، وهي ظواهر قد تكون فعلياً موجودة، لكنها بالتأكيد ليست السبب. ولا يعود السبب أيضاً إلى التدخل الإيراني لأن هذا حصل  لاحقاً بعد أن تحولت سورية إلى ساحة «للجهاد» العالمي. وإيران غير موجودة بطبيعة الحال في ليبيا، وهي بتأكيد المخابرات الأميركية غير موجودة أيضاً في اليمن، ولم يجر ضبط شحنة سلاح واحدة من إيران إلى حوثي اليمن منذ بدأت عاصفة الحزم قبل أكثر من سنة. هذه البلدان تم تمزيقها وتدمير مؤسساتها وتشريد أهاليها بفعل التدخل الخارجي. هذا لا يعفي نظامي الأسد والقذافي من المسؤولية: وحشيتهما في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية التي حدثت في بلديهما كانت ستؤدي إلى إنهاء الاحتجاجات بمقتل العشرات وربما المئات، لكنها ما كانت لتؤدي إلى دمار البلدين وتشريد سكانها. في سورية التدخل الخارجي استهدف إسقاط النظام لأسباب لا علاقة لها بمطالب «الثورة». رأس النظام كان مطلوباً بسبب علاقته بإيران وحزب الله، لذلك استحضر أعداء النظام العربي خبراتهم القديمة في أفغانستان وحولوا سورية إلى ساحة «للجهاد» العالمي. ما لم يدركه هؤلاء العرب الذين بذلوا أقصى جهد ممكن لإقناع الولايات المتحدة بالتدخل العسكري لصالح مشروعهم، أن الأخيرة مصلحتها لم تكن في سقوط النظام ووقوع سورية في قبضة «الحركات الجهادية»، ولكن في استنزاف جميع القوى المشاركة في الصراع: سورية وإيران وحزب الله مصنفون على أنهم أعداؤها مثل الحركات الجهادية التي تحارب النظام وحلفاءه. مشكلة أميركا في سورية كانت ولا زالت: إذا أسقطنا النظام لمن سَنُسَلِم مفاتيح الدولة السورية بعده. الحقيقة أنها أنفقت ملايين الدولارات على الجيش الحر حتى يكون البديل الذي سيستلم المفاتيح، لكنه فشل في التحول إلى قوة يمكن الاعتماد عليها لإسقاط النظام أو محاربة الجماعات الإرهابية، وفي كثير من الأحيان تحول مقاتلوه إلى جزء من الجماعات الجهادية يأتمرون بأمرها. في ليبيا التدخل الخارجي أيضاً كان بطلب عربي رسمي تم توجيهه للأمم المتحدة. أو بشكل أدق كانت مبادرة قطرية، تبنتها فرنسا وبريطانيا، ودعمتها أميركا. هذا التدخل حصل قبل أن تمتد الثورة حتى للعاصمة طرابلس. كان هنالك حراك مسلح لجماعات إسلامية في بنغازي أدى للسيطرة عليها. لم تكن ثورة شعبية مثلما حصل في تونس أو مصر. ما تظهره أميركا اليوم من «ندم» على تدخلها في ليبيا يؤكد أنها اعتمدت على معلومات من حلفائها لم تتحقق هي منها أو أنها اعتقدت بأن لدى حلفائها مشروعاً لما بعد إسقاط القذافي. لكن أيّاً كانت الأسباب والدوافع، فإن إسقاط القذافي بتدخل خارجي هو الذي أوصل ليبيا اليوم إلى ما هي فيه: دولة في بنغازي، وأخرى في طرابلس، وواحدة كانت تسيطر عليها حتى الأمس القريب «داعش» في سرت. مختصر الكلام، الدول التي انحاز فيها الجيش للثورة أو وقف على الحياد فيها، مثلما هو حال تونس ومصر (قبل الانقلاب العسكري)، نجح الربيع فيهما. الدول التي انحاز فيها الجيش للنظام، فشل الربيع فيها. لكن هذا الفشل تحول إلى كارثة على الناس عندما تم استدعاء قوى خارجية للإطاحة بهذه الأنظمة.

كاريكاتـــــير