شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 16 مايو 2026م10:08 بتوقيت القدس

فنّ الجداريّات في فلسطين .. باقي ويتمدّد

15 اعسطس 2016 - 21:06
شبكة نوى، فلسطينيات:

نوى - تمام محسن

"الفن الجداري يشكّل حالة احتجاج مهمّة يعكس الفنّان من خلالها واقع ما يعيشه أو يراه. وفي فلسطين، ربّما له خصوصية تحكمها الأوضاع الجارية بسبب الاحتلال ما يوقع حملًا كبيرًا على الفنان حينما يمسك فرشاته ويبدأ بمزج ألوانه على الجدار" بهذه الكلمات يرد الفنان التشكيلي ماجد مقداد على سؤال حول ماذا يعني له هذا النوع من الفنون.

حول المنازل، وعلى جدران الأبراج، المقاهي، وفي أزقة الحارات، ألوان متعدّدة تنتزع أنظار المارّة، تشكّل لوحات فنيّة تحمل في مضمونها رسائل إنسانيّة – غالبًا –  تعمل كوسيلة إعلاميّة تعرض صورًا صامتة لمعاناة، وحياة، حب وأيضًا أمل، بأيادي فنانين فلسطينيّين، "طفولة محاصرة" نموذجًا.

ضفائرٌ سوداء تنسدل على أكتاف طفلة، بعض منها يلتف حول قضبان حديدية، تحملق في المارة بعينين يستقر الحزن جليًا فيهما، على ارتفاع عشرين مترًا. رسم أربعة فنانين تشكيليين جدارية "طفولة محاصرة" على جدران أحد الشوارع في محاولة للفت انتباه العالم إلى واقع الأطفال في قطاع غزّة المحاصر منذ عشرة أعوام.

ليس هذا فحسب، فما يمثله الجدار بالنسبة للفنان الفلسطيني يكاد يكون مرآة تعكس البؤس والأمل في آن بشكل هادئ ومبهر. ولا يقتصر الأمر عند الاحتجاج، ثمّة جداريات تعمل على توجيه المارّة نحو سلوكيّات معيّنة تتعلّق بالصحّة والتعليم والثقافة والحضارة، بالإضافة إلى موضوعات تعزّز الهوية والتراث الشعبي الفلسطيني،  شارك في إنجازها ما يقارب 140 فنان تشكيلي ضمن مشروع "تجليات إبداعية" نفّته وكالة الغوث الدولية "أنروا" في شباط/فبراير 2016 على المنشآت التابعة لها.

عالميًا اقترن الفن الجداري بالثورات، أما بالنسبة للحالة الفلسطينيّة، فيعود تاريخ هذا الفن إلى الانتفاضة الأولى التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول 1987-بحسب الفنان ماجد مقداد، والذي بدأ العمل فيه فعليًا بالتزامن مع انطلاق الانتفاضة الثّانية.

من جانب آخر، مثلًا: إذا ما قادتك قدماك إلى داخل أحد المخيمات، سيفرد أمامك سيل آخر من الفنون الجداريّة، يعكس سرياليّة الحياة في غزّة بصورة متناقضة كأن يحمل الجدار الواحد تهنئة بالزفاف يجاورها نعي لشهيد ما، أو رسائل حزبية وكتابات أخرى بلا مغزى.

 

في السياق: التقت "نوى" حسن الوالي، من سكّان مخيم جباليا وأحد نشطاء الانتفاضة الأولى، شارك في مهام الكتابة على جدران المخيّم خلال فترة الانتفاضة الأولي، إذ وصفها بـ"المهمة الاستشهادية". يروي أنه ورفاقه كانوا ينتظرون غياب الشمس مساءً، كلّ منهم يضع لثامه "الكوفيّة"، يجتمعون لتوزيع المهام ثم ينتشرون في أزقة المخيّم لإتمام مهامهم في كتابة الشعارات الوطنية ورسائل الاحتجاج للعدو.

يتابع الوالي "عند تجمعنا نتوزع إلى مجموعات، مجموعة تكتب على الجدران وأخرى تراقب وثالثة للحراسة وللحماية يراقب مركز الجيش الذي كان في وسط مخيم جباليا، كان نعرف مواعيد حركة الدوريات وتنقلاتها وبمجرد وصول أي معلومة حول خروج جيبات الجيش أو الدورية كانت مجموعة المراقبة تحذرنا للهرب والنجاة لأن النتيجة إما الاستشهاد أو الاعتقال".

وفي مقاربة للصورة يمكن اعتبار جدران المخيم في ذلك الوقت مثل "جدران الفيس بوك " - بحسب حسن الوالي - إذ كانت إحدى الوسائل لتوصيل رسالة الانتفاضة للجمهور، فقد استخدمت قيادة الانتفاضة " البيان" أو ما يعرف بالمنشور وكانت الكتابة على الجدران مكملة لهذا الامر لتغطى المساحة التي لم يصل إليها.

أمّا عن الموضوعات التي كانت تكتب على الجدران يقول أنهم كانوا يكتبون برامج الفعاليات للانتفاضة، وتذكير  الناس فيها لليوم التالي أو لعدد من الأيام، لاستنهاض حميتهم الوطنية وتحيّتهم ونعي الشهداء أيضًا. ويلفت إلى أن  الكتابة على الجدران خلال الانتفاضة الأولى كان أمر يثير استفزاز الاحتلال، ما يدفع الجنود إلى صب غضبهم على أصحاب المنازل المكتوب على جدرانها شعارات الانتفاضة ويجبروهم على إزالتها.

 ويضيف الوالي أن على الصعيد العام يعتبر الاحتلال الكتابة على الجدران جزء من النشاط "التخريبي للمنظمات الفلسطينية" وعلى إثره يتم اعتقال عشرات الآلاف من الشبان الفلسطينيين ومحاكمتهم.

من جانبه، يشير الباحث الإعلامي أحمد أبو السعيد إلى أهمية الرسالة الإعلامية التي تنقلها الكتابة والرسم على الجدران خلال فترتي الانتفاضة الأولى والثانية، موضحًا: " الكتابة على الجدران الثور في شكل كبير، باعتبارها وسيلة تجمع كل فئات الشعب الفلسطيني وتعمل على تقوية الإطار الفلسطيني التنظيمي خاصة وأن وجود السلطة الفلسطينية جاء متأخرًا ولم تكن هناك مظاهر إعلامية كما في الدول الأخرى خلال فترة الانتفاضة الأولى للتواصل مع الجمهور".

وفي مقارنته بين الانتفاضتين، يقول أن الأولى كانت تسير بشكل عشوائي وغير منتظم مقارنة مع الانتفاضة الثانية إذ كانت سريعة ولكل تنظيم لون معين، لكن أساليب الكتابة تطورت في الانتفاضة الثانية إلى أن أصبحت مختلفة وبثلاث لغات هي العربية والانجليزية والعبرية، بالإضافة إلى ظهور الرسم في الميادين العامة لصور الشهداء والرموز الوطنية". 

كاريكاتـــــير