شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 16 مايو 2026م15:25 بتوقيت القدس

التين الشوكي.. رزقٌ دامٍ لفقراء غزّة

09 اعسطس 2016 - 13:06
شبكة نوى، فلسطينيات:

كتب - جهاد أبو مصطفى :
ينهض الشاب محمد أبو عودة في الصباح الباكر، يحمل أداة حديديّة خاصة مربوطة بذراع خشبية طويلة، يُطلق عليها بلهجته الفلسطينيّة اسم «لقّاطة». يحضّر أبو عودة دلواً بلاستيكيّاً، يضع أدوات عمله في صندوق على دراجته الهوائيّة، وينطلق قاصداً القرى الريفيّة شرق مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزّة، باحثاً عن رزقٍ بين أشواك نبات «التين الشوكي»، أو ما يُعرف بـ «الصبّار».
يعتبر التين الشوكي، نبتة من الصبّار تنمو في الأماكن الجافة، وهي معمرة، ولها قدرة على مقاومة الجفاف، نظراً لسيقانها المليئة بالماء. يشكّل الصبّار طعاماً مفضلا للإبل في المناطق الصحراوية، برغم أشواكه الحادة. تحتوي ثمرة التين الشوكي على لبّ ممتلئ بالبذور الصغيرة، أما قشرتها فهي سميكة ومسامها كثيرة تنبت فيها أشواكٌ دقيقة جداً.
يبحث أبو عودة بشغف عن ثمار التين الشوكي الناضجة بين الأراضي الشاسعة في تلك المنطقة. يُجمّع الغلّة في مكان التقاطها، ليخلّص كلّ ثمرة من الأشواك المحيطة بها باستخدام بعض الأعشاب ومنها نبتة «القرناح» التي تعدّ الأفضل لتنظيف أشواك الصبّار. وحين تُصبح الثمار جاهزة غير مُؤذية، يذهب سريعاً لطرح ما جمعه في السوق، لجني حوالي 15 شيقلَ من عمله (4 دولارات).
على الرغم من الأذى التي تُلحقه أشواك الصبّار بيدي محمد، إلا أنه يبدو سعيداً بعمله، ويقول لـ «السفير»: «أبدأ بجمع الصبّار من الخامسة فجراً حتّى السابعة صباحاً. العمل بعد هذا الوقت مستحيل لأن الشوك في فترة الصباح يكون خاملاً، وكلّما أشرقت الشمس ازداد حدّة، ليصل إلى درجة التطاير في الهواء. أشواك الصبّار ناعمة ومؤذية جداً، وتسبب الحبوب والبثور في الجسم، ويصعب إخراجها».
يهوى الشاب أبو عودة جمع ثمار التين الشوكي منذ سنوات، ويعتمد على موسم نضوجه في الصيف لتحصيل بعضٍ من تكاليف الجامعة، إذ إنه يوشك على التخرّج من قسم المحاسبة. يشير الشابّ إلى أن والده كان من العمّال الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلّة، لكنّ «إسرائيل» منعتهم مع اندلاع الانتفاضة الثانية العام 2000 من العمل في الداخل، وهو يعمل معه حالياً في جمع «الصبّار». وبحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (مركز حكومي) بلغ معدل البطالة والفقر في قطاع غزة الذي يقطنه نحو 1.8 مليون شخص نسبة 42.8 بالمئة، فيما بلغ عدد العاطلين من العمل قرابة 194.7 ألف شخص.
عشر دقائق تكفي أبو عودة لبيع غلّته في الأسواق الغزيّة، ويعزو ذلك لإقبال الفلسطينيين المنقطع النظير على هذه الثمرة الصيفيّة، لافتاً إلى أن سعر الدلو متوسط الحجم يبلغ حوالي 15 شيقل، وفي أحيان أخرى أقل من ذلك بقليل، تبعًا لكميّات الصبّار المطروحة في السوق.
يُشير أبو عودة إلى أنّ نبنة الصبّار تنمو بكثرة في المناطق الريفيّة الزراعيّة شرق قطاع غزّة، وفي شمال وجنوب القطاع بكميّات أقل. لكن نتيجة الحروب المتكررة على القطاع، والتجريف المستمر لأراضي المزارعين من قبل الآليّات الإسرائيليّة، واستهداف المزارع بالقذائف، تقلّصت الأراضي التي يُحيط بها الصبّار. ما يُنذر بندرة الثمرة خلال السنوات القليلة المقبلة، إذ لا يُعيد السكّان زراعة ما يقوم الاحتلال باقتلاعه.
قديماً، اعتاد الفلسطينيّون في قطاع غزّة إبراز حدود أراضيهم ومزارعهم، وفصلها بعضها عن بعض، عن طريق زراعة نبات التين الشوكي على حدود الأرض، وهو ما ساهم في السنوات الماضية بتنامي النبتة في قطاع غزّة. لكن في السنوات الأخيرة، نتيجة الحروب وعوامل أخرى، أبرزها خوف المواطنين من تجمّع الثعابين والحشرات والكلاب الضالة في الصبّار، اقتلع بعض المزارعين الصبّار من أراضيهم، واستعاضوا عنه بسياج حديدي.
خلال فصل الصيف، يعمل عشرات الأطفال، النساء، وعموم الفقراء في غزّة، على جمع التين الشوكي من أراضي المزارعين وبيعه في الأسواق، مُقابل ثمن يتفقون عليه مع صاحب الأرض. يُشكّل هذا العمل الشاق مصدر رزق ضيّقاً لهم، ليقيهم على الأقل الحاجة والتسوّل.
عن "السفير" اللبنانية

كاريكاتـــــير