شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م05:46 بتوقيت القدس

التهجير القسري للأقباط

21 يوليو 2016 - 16:33
مصطفى السعيد
شبكة نوى، فلسطينيات:

تصورت أن محافظة المنيا ستعلن حالة التأهب لوقف أي اعتداءات ضد المسيحيين، خاصة بعد أن تم احتواء حادث تعرية السيدة المسيحية المسنة في أبو قرقاص وفقا لما تريده الجهات الإدارية والأمنية، وتراجعت السيدة عن أقوالها، وكذلك الشاهدة المسلمة التي غطت جسد جارتها العاري، لتسهيل إنكار أن الواقعة قد حدثت، واعتبارها إشاعة مغرضة تستهدف النيل من النسيج الواحد، ومثل هذا الكلام المعتاد ..

لكن يبدو أن المسئولين قد صدقوا كذبتهم، واعتقدوا أن كل شيء على ما يرام، وأن المسيحيين يلقون كل رعاية من إخوانهم "المتطرفين"، وأن كل ما يقال عن اضطهاد هو محض افتراءات، وهو ما أفسح المجال لمزيد من الحوادث الطائفية، طالما أن الإخفاء والإنكار هو الطريق السهل والمعتمد من الجهات المسئولة.
ماذا حدث للسيدة المسنة التي جرى تجريسها عارية في قرية الكرما، وما مصير ابنها الذي طالته شائعة بأنه على علاقة بسيدة مسلمة على خلاف مع زوجها، فأطلق الزوج الشائعة؟ المؤكد أن تم تهجيرهما من القرية، فلا الابن يمكنه العودة حتى لا تتفجر المشاكل، ولا السيدة سعاد يمكنها أن تعود إلى القرية التي أهينت فيها.
التهجير القسري أصبح العقوبة السهلة ضد المسيحيين عند أي خلاف، وبدون النظر إلى أنهم ضحية ومجني عليهم أم ارتكبوا أي خطأ، وسواء جاء قرار التهجير من خلال جلسة عرفية، أو نصيحة من الجهات المسئولة، أو حتى من المقربين، فالطرف الأضعف هو الذي يدفع الثمن، فلا يمكن معاقبة أعداد كبيرة من المتطرفين والمتعاطفين معهم، أو حتى التفكير بتهجيرهم، ولكن من السهل تهجير بضعة أشخاص أو عدد قليل من الأسر المسيحية ليرتاح الباقون، فالمتطرفون لن يجدوا من يتحرشون بهم وإهانتهم أو منعهم من الصلاة أو التعدي على بيوتهم، وكذلك سترتاح الأجهزة الأمنية من حالة القلق الناجمة عن أجواء التوتر.
لقد تكررت حالات التهجير القسري في بني سويف والمنيا والعامرية والمطرية، وأصبحت إجراء روتينيا يتكرر في أعقاب أي توتر طائفي، إلى جانب الإنكار التام لوجود أي انتهاكات لحقوق المسيحيين، وبالتالي لا يوجد مجرم أو مذنب ينبغي محاكمته ومعاقبته، والنتيجة أن المتطرفين ومرتكبي الجرائم يتجرأون أكثر على ارتكاب المزيد من الانتهاكات، ولهذا لن يكون حادث قرية طهنا الجبل في المنيا لا الأولى ولا الأخيرة، فالمسلسل مستمر، وربما تتفاقم أحداثه، طالما يجري اعتماد هذا السيناريو الممل والبغيض، فلا يبدو هناك من يريد أن يواجه الأزمة، وأن يضع حدا لجرائم مثل هذه الجماعات المتطرفة، التي تسيطر على الأرض في عدد كبير من المدن والقرى، خاصة في صعيد مصر.
خناك نوع آخر من التهجير القسري، رغم أنه يبدو طوعيا، فالكثير من المسيحيين يفضلون ترك المناطق التي لا يشعرون فيها بالأمن، ولهذا يبحثون عن مكان بديل، ربما يخسرون أعمالهم أو مصادر رزقهم التي اعتادوا عليها، ويتوجهون إلى أماكن أخرى ليس للجماعات المتطرفة نفوذا كبيرا فيها، وعادة ما يستشيرون أقارب وأصدقاء في أماكن عدة عن ظروف معيشتهم، حتى سنجد المسيحيين يعيشون في معازل "كانتونات" داخل المدن الكبيرة، لتجنب أي احتكاك بالمتطرفين الحاليين أو المستقبليين، لكن النسبة الأكبر من الشباب تحلم بالهجرة إلى خارج مصر، لأسباب تجمع بين المشاكل العامة للشباب، يضاف إليها ما يعانيه بوفه مسيحيا مصريا.
إذا كانت الدولة غير جادة في معالجة هذه المشاكل، فعلى الأقل أن تكون واضحة، وتعلن أنها عاجزة أو غير راغبة في حلها، لنبحث سبل احتواء الاثار الجانبية، بدلا من الإصرار على إرسال وفد يضم أحد شيوخ الأزهر أو الأوقاف مع قس من الكنيسة لاستكمال المشهد الممل عن سلامة النسيج الواحد.

كاريكاتـــــير