غزة-نوى-حنين حمدونة:
"التنسيقات الأمنية للبضائع"؛ كابوس يؤرق مئات التجار الفلسطينيين في قطاع غزة؛ فلا يسمح الاحتلال الإسرائيلي بدخول أي صنف من المواد الخام أو الآلات للقطاع؛ إلا بالموافقة عليها من قبل جهاز المخابرات الإسرائيلي، بل وتُخضع التجار لمقابلات قبل السماح لهم بالاستيراد، وهي خطوات لا تخلو من البعد الأمني.
مطلوب للتخابر
ماهر حبوش (45 عام)، تاجر مواد تنظيف؛ أحد التجار الذين أوقف الاحتلال الإسرائيلي تصاريحهم، ومنع دخول المواد الخام لمصنعه؛ الأمر الذي أوقفه عن العمل لنحو عام، تكبّد خلاله خسائر مادية تقدّر بمليون شيكل.
في مقابلة مع نوى يقول حبوش أنه كان يحمل هو وشقيقه تصريح تجار، وأخي، وكان الاحتلال الإسرائيلي يسمح بإدخال مواد خام لصناعة المنظفات ومنظفات مُصنعة ومواد طلاء بشكل، يكمل:"العمل ظل مستمرًا حتى خلال الحرب، طلبني الاحتلال ذات مرة لمقابلة مخابراتهم، وبعد المقابلة تم وقف تصريحي".
يؤكد حبوش أن الحدث الأكبر كان بعد أن طلب الاحتلال من شقيقه التوجه للمقابلة، ومن ثم عرضوا عليه التخابر وحين رفض تم وقف التصريح ومنعت الشركة من الاستيراد، يضيف:"نحاول حاليًا رفع الحظر عن الشركة وتولى الموضوع محامي ليتابع القضية، وجميع الردود تأتي بأن الحظر "لأسباب أمنية ".
يؤكد حبوش أن الاحتلال الإسرائيلي يعرض التخابر على التجار خلال المقابلات التي تتم في معبر بيت حانون المعروف إسرائيليًا باسم معبر "إيرز" الواقع شمال قطاع غزة، والذي يسمح بسفر المواطنين من خلال وهو تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي بالكامل.
خسائر
وقف التجار الفلسطينيين وسحب تصاريحهم واستبدالهم بآخرين انتهاك يحدث بشكل متكرر، ويوقع التجار في مشاكل متعددة مثل وقف بضائعهم وتعرضهم لخسائر كبيرة بسبب حجز البضائع أو منعهم من الاستيراد، وكذلك زعزعة الثقة بين التجار.
في هذا الشأن يقول وكيل وزارة الاقتصاد الوطني حاتم عويضة:"السياسة المتبعة من الاحتلال والتي تؤثر سلبًا على واقع التجار في قطاع غزة كمشكلة دخول السلع بنظام التنسيقات الخاصة، وهو حصول السلع على موافقة المخابرات الإسرائيلية على دخولها".
تكمن المشكلة حسب عويضة، بوضع البضائع في مخازن خاصة لفترة طويلة، الأمر الذي يضاعف التكاليف المادية على التاجر؛ بالإضافة للمخاوف الأمنية، فالاحتلال يحاول ابتزاز التجار في المقابلات أو إعاقة دخول السلع للتأثير عليهم.
أما المشكلة الثانية التي يتجه الاحتلال لوضعها هي سحب التصاريح من التجار وطلبهم لمقابلات في معبر بيت حانون لإخضاعهم للتحقيق في آلية التعامل مع المواد الخام التي يستوردونها وعرض التخابر عليهم وابتزازهم ومساومتهم مقابل استمرار أرزاقهم.
يشار إلى أن السلع التي تحتاج للتنسيقات الأمنية هي الآلات والمعدات والمواد الخام لصناعة مواد التنظيف ومواد الدهانات والمعادن، فيما يسمح الاحتلال باستيراد المواد المنتهية التصنيع ليبقى قطاع غزة مستهلكًا فقط، بالتالي تتراكم تبعية الاقتصاد الفلسطيني وتزداد نسب الفقر والبطالة، إضافة للبعد الأمني لهذه الإجراءات.
وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أصدر تقريراً يظهر فيه مدى تضيق الاحتلال الإسرائيلي الخناق على أهالي قطاع غزة، وذكر التقرير القيود الشديدة على توريد عدد كبير من السلع والبضائع الأساسية للسكان، خاصة المواد اللازمة لمشاريع البنية التحتية و للتصنيع والإنتاج ومواد البناء، فيما سُمح بدخول السلع المنتهية الإنتاج وذالك لوقف الصناعة المحلية في قطاع غزة وأُدخل للقطاع خلال شهر مايو 14,464 شاحنة معظمها مواد غذائية وسلع استهلاكية، فيما أوقف الاحتلال دخول مواد البناء لمدة 40 يوم ، وعلى صعيد حركة الأفراد، ووفقاً للتقرير، فقد استمرت القيود المشددة على حركة وتنقل الأفراد، سمحت 8,211 تاجرا ؛ وبحسب مدير المنظمات الدولية و الإعلام في الهيئة العامة للشؤون المدنية محمد المقادمة فقد بلغ عدد التجار الذين أوقفوا من قبل الاحتلال 1350 تاجر .
من ناحية أمنية يقول أستاذ علم النفس الأمني د.مازن حمدونة أن المشكلة تكمن في التبعية الاقتصادية نتيجة الاتفاقيات الموقعة؛ والتي وضعت المعابر تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، بالتالي أخضعت الفلسطينيين للابتزاز؛ ويكمل :"تهدف السيطرة الإسرائيلية إلى التأكد من عدم دخول المواد الخام لحماس، والاستغلال لأبعاد أمنية بهدف إسقاط التجار".
لجنة حقوقية أمنية
يرى حمدونة أن الحل الأمثل هو إيجاد لجنة أمنية فلسطينية وحقوقية على مستوى المؤسسات الدولية تتولى التنسيق بين المخابرات الإسرائيلية والتجار الفلسطينيين لتجنبهم الخضوع للمخابرات، وبالتالي تجنب التجار من تعليق مصالحهم وتبقى بمثابة درع وقاية لهم من الابتزاز.
يعقّب الخبير الاقتصادي معين رجب على سياسة التنسيقات الأمنية بأنها تأتي لعرقلة النمو الاقتصادي الفلسطيني، فتبقى الأخيرة دون نهضة صناعية، وبالتالي تعتمد على الاحتلال في الاستيراد ويتفاقم الفرق الشاسع في الميزان التجاري.
ويشرح بأن الأمر يحرم الفلسطينيين من التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر والبطالة، وينعكس بشكلٍ مباشر على الأسعار في الأسواق الفلسطينية؛ نتيجة مضاعفة التكاليف من ناحية الاستيراد وحجز البضائع في الموانئ وتكبيد التجار تكاليف مضاعفة يسقطها الأخير على أسعار السلع التي تصل للمستهلك.
























