بقلم - ليالي درويش
كنت أتمنى من الله أن يجعل لنا عدّاداً من الكلمات في عقولنا، كل مرة تقول حرية مثلاً ينقص عدادك من كلمة حرية، فتصبح حريصاً على كل كلمة تنطقها حتى لا تفقد كلماتك كلها في عمرٍ مبكر وتعيش بقية حياتك أخرس خالي من الكلمات.
لو كان لدينا عدّاد كلمات لكانت حياتنا مختلفة، كان السياسي سيقف أمام الحشد يقرأ من ورقته وفجأة لا تسمع له صوت لانه استخدم كل كلماته. لقد تحدث كثيراً ونفذ كل ما لديه من كلمات. ولكان الشاب اللعوب فقد صوته وهو يحاول أن يقول أحبك لضحيته الجديدة. كانت حياتنا ستكون أوضح ولكن الله للأسف لم يمنحنا عدّاد الكلمات هذا.
عندما نستخدم كلماتنا كثيراً فأننا نخسرها، ربما لا يوجد عدّاد للكلمات ولكن يوجد لها معنى، وهو الذي نخسره بالتكرار. وهذا ما خسره الفلسطينيون، خسروا كلمات جميلة مثل كلمة وطن، وخسروا كلمات بشعة مثل السجن. لا تستغربوا فالكلمات لها مشاعر تنعكس علينا عندما نسمعها أو نقرأها، خسرنا كلمة وطن ولم تعد قادرة على عكس مشاعر الحب ذاتها، وكلمة سجن أيضاً باتت مشوشة ولا تقهرنا كما كانت تفعل، كانت تثقب القلب عندما تمر والآن - بعد الانقسام الفلسطيني- يتبعها دائماً سؤال للاستفسار عن هوية السجن: هل المعتقل في سجن إسرائيلي ام فلسطيني؟ إن أي كلمة يتبعها استفسار عنها فإعلم أنها فقدت معناها.
في كل مرة نخسر كلمة من كلماتنا فإننا نخسر أنفسنا لأننا فقط مجموعة من المشاعر التي تمدنا بها الكلمات.
أطلت عليكم دون أن أتحدث عن العنوان: الانتخابات التي لا يفوز بها أحد. كلنا نخسر في فلسطين لأننا نقف أمام العدو الخاطىء ونستخدم كلماتنا الجميلة كثيراً في المكان الخاطىء، لن أعيد كلماتي كثيراً لأني أنا أيضاً أخاف أن أخسرها.
كنت طالبة في جامعة بيرزيت ولأني كنت أكره خسارتنا للكلمات التي أحب، لم أنتخب أحداً من الذين يشاركون في هذه الكارثة، إنهم يسرقون كلماتنا الجميلة فكيف انتخبهم؟ إن الذين يسرقون الكلمات ليسوا فقط لصوص كلمات بل لصوص مشاعر، واللص الذي يسرقك ويستخف بك ليس جديراً بالانتخاب.
كنت أتمنى أن لا تكون الانتخابات مبنية على فكرة الأحزاب، لا أعتقد أن هناك أي شيء يلزم الجامعة بهذه التقسيمات الحزبية. لماذا لا تستطيع إدارة الجامعة وقف "موسم الكراهية" كل عام؟الجامعة التي تعلمنا خلال المحاضرات أن نحترم بعض والتي تتخذ إجراءات قاسية في حق أي طالب يعتدي على زميله، لماذا تصمت أمام كل هذا الاعتداء على اللغة والمشاعر والهوية الفلسطينية بل وتدعمه وتزوده بمكبرات الصوت وتعطيل الدوام وتجهيز المكان لتجمع الخصماء وعقد مناظرة لا ترقى إلى أي وصف سوى "الردح الانيق" لانه يستخدم أجمل الكلمات.
كنت أتمنى أن يرشح الطلاب أنفسهم كطلاب فقط ولكل منهم الحق في الانتماء السياسي والديني والفكري أياً كان. فالطالب لا يستطيع أن يسرق الكلمات كما تفعل الأحزاب.. وها قد فعلت.
























