غزة- خاص نوى- حنان أبو دغيم
محل أنيق وسط المدينة يعرض الملابس، بشكل جذاب، لا تتردد لحظة في تفحص القطع التي يعرضها، لكنك ما أن تضع قدماك فيه، حتى تكتشف انه محل لبيع الـ"بالة".
ببلاش
في المحل شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، قال: أنه كان يبيع على بسطة في سوق "فراس" الذي يرتاده الكثير من الفقراء لشراء الملابس المستخدمة، ولكن البعض كان يمتنع عن الشراء منه، كونه وسط محلات البالة، فوجدت فكرة عرض الملابس بشكل أنيق في محل في أحد الشوارع الرئيسية للمدينة سيكون أفضل.
يقول الشاب،واسمه، محمد كلاب :" أوضاع الناس باتت صعبة جدًا، من لديه أربعة أو خمسة أطفال وعاطل عن العمل كيف له أن يكسيهم؟!".
مضيفا:" هنا البضاعة ليست رديئة تمامًا، بل صالحة للاستعمال، وأسعارها رخيصة جدًا، مقارنة بنوع الماركة الخاصة بها وبلد المنشأ".
أم سامح العسولي "55عاما" تقف إلى جوار محمد، تدفع ثمن القطع التي اختارتها استمعت لحوارنا، فتدخلت قائلة :" والله الملابس ببلاش، وبتخدم أحسن من الصيني اللى معبي السوق".. أشارت أم سامح لابن ابنتها داوود "10سنوات" قائلة :"هي القطع اللي عليه من أول الشتا غسيل ولبس وهو وأخواته الأربعة وكل أولاد أولادي بشتريلهم من هنا".
مستدركة:" يعني نفسنا نشتريلهم من هالمحلات الفخمة، بس من وين نجيب ما في شغل ولا دخل ويادوب قادرين على حق اللقمة؟".
خضار ولحوم "درجة ثالثة"
لم يقتصر الفقر وشظف العيش على ملابس تستر الجسد أو عفش منازل تؤوي مستوري الحال بل وصل الأمر الى أسوا من ذلك عندما بدأ يطال لقمة العيش!!
هدى أبو عكر "45 عاما" قالت "الوضع الصعب جعلنا نستغني عن بعض السلع مرتفعة السعر منها الملابس والفاكهة واللحوم أيضا"..
مضيفة:" أصبحت اشتري معظم الخضار من البسطات التي تقدم الأغذية بسعر أقل والجأ الى اللحوم المجمدة منخفضة السعر التي أطهوها مرة واحدة في الأسبوع"..
لم يكن أبو أسعد، 55 عامًا، بأيسر حالًا، فهو الآخر لا يتعدى دخله الشهري (500 شيكل) ينفقها عليه أبناؤه المتزوجين، حسب مقدرتهم، ويعيل منها 3 بنات معه في المنزل بالإضافة الى زوجته..
يقول أبو أسعد": زمان كنا ما يعجبنا غير لحم الخروف نذبح كل ستة شهور مرة، ونخزن اللحمة في الثلاجة بس اليوم منيح اللي قادرين نجيب طبخة لحمة بالشهر ومثلجة"..
يقف أبو أسعد في محل للحلوم الطازجة فاستدرك بالقول": اليوم أنا جاي أشتري كيلو لحمة لكنتي ولدت جديد اجتنا حفيدة والنفساء زى ما انتي عارفة يا عم بدها تتغذى رحت تداينت من اخوي خمسين شيكل علشان كيلو لحمة وما كفي الكيلو اليوم ب55 شيكل طيب المعدوم العاطل اللي زيي وزى أولادي من وين يجيب"...
هذه قصتي
تقول سماح "32 عاما" :"تقدم لخطبتي شاب بالكاد استطاع أن "يحوش" المهر، ووقعنا بين خيارين أحلاهما مر، إما استمرار الخطوبة سنتين أو تجهيز البيت بعفش مستخدم".
وأضافت بحزن:" وقعت في حيرة من أمري كيف وأنا بنت عائلة ومتعلمة وممرضة والخ أسكن على عفش مستخدم، لكني بعد تفكير عميق، قررت الموافقة في ضل رفض والدي لفكرة الخطوبة الطويلة".
تشير سماح الى أنها بالكاد استطاعت انتزاع "فرشة سرير" جديدة بعد أن كادت تفقد عقلها وحماتها تخبرها ان جارتهم ستبيع غرفة نومها "بالفرشة"!!!
تؤكد سماح ان هذا الأمر لا يشعرها بالخجل، بل على العكس خطيبها يقول لها دائما: "كم أنتي كبيرة في عيني" وعلى الأقل هي تشعر بالرضا، لأنها تريد للمركبة أن تسير -حسب وصفها- دون ان تجعل من الأوضاع الصعبة عائقا أمام حلمها في ان تصبح أمًا لطفل في المستقبل كأولئك الذين تقوم على رعايتهم في حضانة الأطفال في المستشفى التي تعمل بها.
لكن ما ينغص عليها حسب ما تستردك حديثها:" كلام الناس، ونساء العائلة اللواتي لا يتركن مجلسا، الا ويتحدثن عن سماح "العانس" التي وافقت على العريس وعلى العفش المستخدم"..
مضيفة:" أنهن يتساءلن دومًا بخبث "ورضيني تجيبي غرفة نوم مستعملة؟؟؟" والله حرام صبية مثلك وهاي أول فرحتها"..
تضحك سماح وتؤكد ان ما يهون عليها هي وعود خطيبها الدائمة بأنه سيغير العفش قطعة قطعة من أفخم المحلات بعد الزواج واستقرار أمور عمله.
نساء قادرات
النساء أكثر الفئات قدرة على التأقلم والتكيف مع الوضع في غزة، مهما عصرتهن الظروف، وهو ما تؤكده حنان صيام منسقة برنامج المرأة في جمعية المرأة العاملة، تقول لـ "ـنوى:" النساء أثبتن خلال الحصار أنهن قادرات على التكيف مع كل الظروف، رغم عسر الحال الذي تعيش فيه جل الأسر الفلسطينية".
تؤكد صيام على ان النساء هن أكثر من يتحملن الضغط النفسي نتيجة أوضاع أسرهن لأنهن المطالبات بتدبير احتياجات المنزل بالمواد الشحيحة المتوفرة والدخل القليل جدا لذلك هن يلجان للبدائل الأقل تكلفة مثل ملابس البالة أو شراء الخضار في نهاية اليوم حيث يقل سعرها وصولا الى اختيار مدارس الوكالة والحكومة المجانية والاعتماد بشكل كبير على قروض ومنح الدراسة لابناءها الجامعيين.
رغم كل ذلك فان صيام طالبت جميع المؤسسات الأهلية والرسمية بتقديم كل دعم ممكن للنساء لتمكينهن في كل المجالات تحديدا اقتصاديا ليتمكن من إعالة أسرهن مؤكدة على دعم بعض السلع والمنتجات لتصل إليهن بأسعار ملائمة للوضع الاقتصادي السيئ الذي يعشن فيه مع أسرهن..
تقول صيام:" في كل الظروف والأوضاع دوما المرأة قادرة على العطاء والتكيف وقادرة لان تعطي وتعطي ورغم ذلك فهي إنسان وطاقة مطلوب تمكينها ودعمها لتستمر في العطاء".
























