بقلم – جمانه مصطفى
كثير من أعدائي تخلوا عني في منتصف الطريق حين اعترفوا أنني غير ممتعة العداء، وأني أرد صحون الضغينة فارغة وغير مجلية.
آخرون ملّوا من تغييري لمعاركي كل عام بالتزامن مع موسم هجرة أبو السعد، الأمر الذي يجعل عدائي غير صالح للاستثمار الطويل لأصحاب الثوابت العدائية.
لكني - شكرا للشيطان - حظيت أيضا بعدد لا بأس به من الأعداء المثابرين اللاهثين وراء رفع نخب انكساري عاليا.
هؤلاء على قلتهم أوغاد بما يكفي لأخذهم بالحسبان في تحركات بعينها في الحياة، كإعلان لحظة فوز، أو حزن.
وأعني بالعداء المتبادل تحديدا، أي الذي حققته أنا باعترافي به، أما الأعداء غير المغريين ممن لم أرفع مرآتي في وجوههم فلن أتغزل بدهائهم.
على العدو أن يكون خصما أيضا، وعلى الخصم أن يكون ندا، وعلينا أن نكون انتقائين في تسمية أعدائنا أكثر من تسمية أصدقائنا.
جرير والفرزدق عرفا هذه الحكمة.
ستكون حياة مملة حياة من اختار فريسة سهلة ومكشوفة.
لكنها الصعوبة، والمراوغة هذه التي تثير إعجابي بالأوغاد
أعدائي جميلون، أقوياء، فخورون وغير رحيمين، وبين وقت وآخر تنتابني "صفنة إعجاب" بقدرتهم على التلون.
وهو عداء متوحش القلب أرستقراطي الحيلة، فلم يسبق أن انقض أحدنا على عنق الآخر وغرس أنيابه فيه، الضرب الذكي يكون في استلاب المجال الحيوي للآخر، تحسس الأمزجة والتماهي مع موقفك حتى انتشال الشماتة.
ماذا يمكن أن أقول؟ أعدائي أذكياء
ولو لم يكونوا كذلك للمت نفسي.
لماذا العداء؟
حقا لا أعرف
ليس هناك ثأر قديم أو غنائم مترقبة، كذلك ليس هناك تنافس أو غاية، وليس هناك تصور لمشهد الانتصار المنشود، وسيكون تلميعا فارغا أن أدعي أنه عداء مبدئي.
عداء لأجل العداء
لعله للتسلية مثلا
لتربية حس الحذر
غريزة كانت أثقل من أن يجرفها التطور البشري
عداء لتحجيم الذات عبر رؤيتها في أعين الكارهين
لإبطاء الطموح
لاستعارة أهمية الخصم
وربما لا شيء مما ذكر
إلا انني وعلى معرفتي بعيوبي الكثير الكثيرة، لا أعرف سببا يدفع أحدهم لعدائي غير أنني أمقت المهادنين والنفعيين وأنصاف المخلصين في الفن، ما يظهرني مغرورة لمن لا يصدق انتمائي للمعايير.
لكنهم وعلى انتصاف مواهبهم أو اخلاصهم -سمه ما شئت - أعداء مبدعون حقا.
لا بد من الاعتراف
























