هذه القصص هي القصص الفائزة بجائزة نجاتي صدقي للقصة القصيرة للعام 2015 وهي قصص تعالج موضوعات وطنية واجتماعية وانسانية، وتمتاز بجماليات فنية أهلتها للفوز عن جدارة. إنها تفصح عما يشغل بال الجيل الجديد من كتاب القصة، وتظهر قدراته الفنية الواعدة، بما يجعلها جديرة بحمل اسم "القصص الفائزة بجائزة نجاتي صدقي" أبرز أعلام القصة القصيرة الفلسطينية قبل العام 1948، وبعده، وهي من ناحية ثانية مشغولة بالهموم التي كانت تشغل باله وبال من تلاه من كتّاب القصة القصيرة الفلسطينية.
القصة الأولى حملت عنوانا شاعريا "العصافير لم تخلع أثوابها بعد"، وهي تصور معاناة الفلسطيني تحت الاحتلال، معاناته من الحواجز الإسرائيلية التي تحول بينه وبين ممارسة حياته الطبيعية، والتي تنغص عليه يومه وعمله علّه يحبط وييأس ويظل قلقاً ليكون أقل ذكاءً لا يفكر إلاّ في الحاجز واجتيازه. وتمتاز القصة بقدرة كبيرة في السرد، ولا تخلو من نزعة فنية جمالية في ملامسة الموضوع، فهي تبتعد عن المباشرة والتقريرية، وتحفل بقدر من الشاعرية. يعاني الفلسطيني معلم المدرسة، يومياً، على الحاجز، ويظل السؤال الذي يراوده هو: متى أصل إلى المدرسة. يتذكر أحد طلابه ممن استشهدوا على الحاجز، ولا ييأس، وتلفت العصافير انتباهه وهي تزقزق فرحة بالحياة. إنها لم تخلع أثوابها بعد، وعلينا أن نتعلم منها. والطلاب يحلم أحدهم بأن يطير ويطير ليغدو الحاجز صغيراً صغيراً، وليرى فلسطين كلها مع بعضها دون حواجز "زي ما بترسم لنا إياها على اللوح". ولأن العصافير تغني، فإن المعلم الذي يتذكر طالبه الذي استشهد يريد من طلابه أن يكونوا مثل العصافير: أن يواصلوا أحلامهم وحياتهم.
تحكي قصة "قصة مفتاح الماضي" قصة فتاة فقدت أمها، وكانت ابتعدت عنها من قبل. ماتت الأم وظلت غرفتها مغلقة ثلاث سنوات. وحين تدخل الشابة الغرفة مع خالتها ترى الكتب التي كانت أمها تقرؤها. تحدث الخالة الشابة عن علاقتها بأمها، فقد كانت الأم لها ابنتها التي لم تنجبها، وتكون الشابة قارئة ومثقفة على غرار أمها. هل ترك رحيل الأم أثراً على الخالة/ الأخت فقط؟ لقد كان الرحيل مؤلماً أيضاً للزوج وللابنة. وحين تغادر الابنة الغرفة تمسك بالباب وتنظر وراءها نظرة وداع على أمل اللقاء، وتقول: انتظريني.
أجواء القصة وبيئتها بعيدة عن أجواء قصة "العصافير لم تخلع أثوابها بعد" ومع ذلك تلامس القصة موضوعاً إنسانياً. على أن ما يميز هذه القصة أنها لا تخلو من أهم خصيصة من خصائص القصة القصيرة "وحدة الانطباع". وهي فوق ما سبق تمتاز بسرد قصصي ناضج، كما أنها تولي عنصر الوصف عناية ممتازة. إنها ليست مجرد سرد حدث سرداً يخلو من مراعاة العناصر الأخرى لفن القصة مثل الوصف واللغة و.. و...
تعزز قصة "الطريق الوعر" علاقة الفلسطيني بأرضه، وهي تأتي على امرأة فلسطينية علاقتها بالأرض علاقة قديمة، وهذه العلاقة تزداد قوة وارتباطاً حين يبدأ الاستيطان يتغول ويزداد شراسة، ولا يخيف هذا الاستيطان تلك المرأة التي تواظب على الذهاب إلى الأرض. وعشقها الأرض ليس عشقاً عابراً، فهو عشق متوارث، حتى أن جدتها أسمتها زيتونة "زيتونة ستّي سمتني زيتونة".
جماليات اللغة في هذه القصة هي الأرقى حقاً، حتى إنها لتذكر قارئ الطيب صالح ببعض قصصه، وهي لا تخلو من عنصر الخيال: هكذا تتخيل المرأة نفسها ثلاث نساء "إنهن أنا وأنا وأنا". وقد يتصور القارئ، في القراءة الأولى، أن ثمة خللاً في السرد يعتور القصة، ولكنه حين يمعن النظر فيها، ويقرؤها ثانية يكتشف النزعة الجمالية فيها. الأنا الأولى هي أنا الساردة في طفولتها، والأنا الثانية هي أناها في شبابها، وأما الأنا الثالثة فهي أناها في الخمسين من عمرها. وكما ذكرت فإن مواطن الجمال في القصة تبدو لافتة في تعابيرها "ولأني كبرت وأذناي مثقوبتان..." "أكوّم يدي على العصا، وأزرع قدمي في الأرض.." "أنصب قامتي كسارية علم، فأصير أنا والسفح المنحدر وجهاً لوجه، أنا في القاع وحيدة وهو يصافح القمة والذاكرة....".. .إلخ.
ولا تختلف قصة "عائدة"، فيم يخص جماليات السرد وبعض التعابير عن القصة السابقة. بداية السرد تقول لنا إننا أمام سرد قصصي جميل وموفق. والقصة تحكي علاقة عائدة بعمها القاسي الذي فقد قدمه في الانتفاضة الأولى. لقد مات والداها وهي في الثانية عشرة وكان عليها أن تعيش مع هذا العم القاسي، وتدخل الجامعة وتتعرف فيها إلى أحمد وتتعلق به، لكن تطلعاتها أكبر بكثير من أن تكتفي بزوج وبيت. إنها تتطلع إلى إكمال دراستها والى السفر، وهكذا تبحث عن عمل حتى تواصل دراستها. ما هو جميل في هذه القصة هو نظرة عائدة إلى الوطن ومساءلة معناه. وهي في رام الله تتذكر المخيم وعيادته، وحين ترى الفارق بين الحياة في المدينة وفي المخيم تحن إلى البراءة والبساطة.
"وماذا عن رام الله؟
لم تكن يوماً وطناً. عيادة المخيم الطبية التي كانت أكثر ما أمقت بسبب طوابير اللاجئين بانتظار كسرة الدواء حارقين من أجلها الكثير من الكرامة كانت أكثر وطناً من هنا".
وهذه نظرة رومانسية لا شك، تذكر قارئ الشعر العربي بموقف الشعراء القادمين من الريف إلى المدينة، وهي نظرة سرعان ما تراجعت لدى قسم منهم، بخاصة بعد أن تأقلموا مع المدينة. وفيما يخص اللغة، فإن هناك مواطن جمالية في بعض مواطن القصة، لكن هناك تعابير أثرت على القصة سلباً.
ولعل القصص هذه تقول عن نفسها أفضل مما قلت.
























