شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026م18:28 بتوقيت القدس

طبيب في القصر

18 ابريل 2015 - 09:36
وليد ابو بكر
شبكة نوى، فلسطينيات:

ربما كانت في حياتي ثلاث روايات فقط، اشتهيت أن أترجمها إلى العربية، ولم تتح لي الفرصة، لأسباب خارجة عن إرادتي، مع أنني استمتعت بقراءتها (بشكل يتميز عن كثير غيرها) إلى حدّ جعلني أتمنى أن أوزعها على من يحبون القراءة من الناس، ولا يستطيع الوصول إلى الأصل، أو إلى ترجمة أخرى غير العربية.
ومن الطريف أن أزمنة طويلة تفصل بين صدور هذه الروايات، وأن مسافات، بعضها بعيد، يفصل بين كتابها، كما أن موضوعات الروايات مختلفة، ما يعني أن دافع حبّها مختلف أيضاً: فالرواية الأولى هي رائعة تولستوي الشهيرة "أنا كارينينا"، التي قرأتها - في غير تلخيصها العربي المسيء - مرات كثيرة، وما زلت أكتشف فيها جديداً كلما قرأتها، وقد حاولت التخلص من هذه "الاكتشافات" لمرة واحدة، فأعددت عنها دراسة مطولة من أجل ندوة عن تولستوي، وظننت أنني أفرغت فيها كل الذي اختزنت، لكني حينما عدت إلى قراءة الرواية، في ترجمة أمريكية حديثة، تأكدت أن من واجبي أن أعيد النظر في ما كتبت!
الرواية الثانية، "أخصائي التشريح" - أناتوميست، للكاتب الأرجنتيني فيدريكو أنداهازي، ليست بشهرة الأولى، وربما لا تكون معروفة حتى الآن، ولا كاتبها معروف بالقدر الذي يستحقه، خارج بلاده، أو خارج قرائه بالإسبانية، رغم أنه مترجم إلى لغات كثيرة. أما الرواية الثالثة، فهي للكاتب السويدي بير أولوف إينكويست، وتحمل في نسختها الإنجليزية اسم "زيارة الطبيب الملكي".
كانت الأولى ترجمت قديماً، كما تواتر، وليس سهلاً وجود ناشر لها الآن، كرواية قديمة، وبهذا الحجم الكبير؛ أما الثانية، فليس هناك ناشر عربي يجرؤ على أن يقترب منها، بسبب طبيعة نصها، الذي يروي تاريخ التشريح - الطبي - بهدف روائي، هو التعرف على ما يثير المرأة، من أجل امرأة واحدة، في محاولة للوصول، إلى أن تقع في الحب، بما يحتاج إليه مثل هذا البحث من مشاهد (قد لا تطيقها لغتنا)، أما الثالثة، فلها حكايتها التي لم تتوقف عند قراءتها، لأنها كانت حافزاً لي كي أكتب عن الرواية التاريخية (بعد امتهانها، كما يحدث في كل موضة أدبية نسرع إلى تقليدها)، وهو ما أحاول إنجازه الآن.
الطريف أن الروايتين الأخيرتين تاريخيتان، وأن كلا منهما تستند إلى قصة حبّ غير عادية، لتروي تاريخاً له أهميته فيما حدث بعده، رغم أن زمنهما هو القرن الثامن عشر، والطريف أيضا أن الصدفة هي التي جعلتني أحصل على الروايتين، غير المعروفتين عربيا: الأولى جاءتني هدية خيار من كاتبة تعرف كيف تختار، والثانية جاءت على شكل استشارة للنشر، لكن الواقع (المدقع) لدينا الآن أحالها إلى من يملك أن ينشر، وهو ما حدث تماما، بشكل يجلب الفرح، لأن الرواية ستصل إلى القارئ العربي، بشكل محترم.
اقترحت السيدة سوسن كردوش - قسيس، ابنة الناصرة، التي تعيش في الدانمرك، ترجمة الرواية السويدية، بعد أن أعجبت بها، وأرسلت لي فصلا مترجما، وفي زيارة لها، حملت لي نسخة من الرواية (بالإنجليزية)، فقرأتها، وتحمست لها إلى حد كبير، لكن يد النشر هذه الأيام قصيرة جدا، وإن كانت الحماسة لا تكفّ عن البحث عن مدخل، وقد وجد.
المهم أن الرواية صدرت أخيرا عن "دار المنى" في السويد، مترجمة عن السويدية مباشرة، وحملت اسم "زيارة طبيب صاحب الجلالة"، وأن نسخة منها وصلتني، بعد أن قرأت النص الإنجليزي مرات عديدة، حتى كادت أوراقه تهترئ، وكادت الملاحظات حول جدل الرواية والتاريخ، تقترب من عدد صفحات الكتاب.
في مجمل الأمر: هذا الكتاب رواية أولا، وعنوانه لا يوحي بأي شيء من التاريخ أساسا، وحين تقرؤه، تنسى أنه يقتطع شيئا من التاريخ يشكل إطاره العام، ولكنك تعيش الأحداث - القريبة مما هو يومي، لكن في زمن آخر وكأنها تحدث الآن، وتخاطبك الآن، ولا تروي لك عما مضى، رغم كل التفاصيل التي تملأ الكتاب، والتي تؤكد أن الروائي بذل جهدا كبيرا حتى يكون على معرفة تامة بما كان عليه عصر ملك الدانمارك المريض - نفسيا - قبل الثورة الفرنسية ببضع سنوات، وهي الثورة التي ألهمت مقدماتها الفكرية ما حدث في المملكة الصغيرة، التي تأثرت بالتنوير، من خلال كتابات روسو وفولتير.
الطبيب الألماني يكلف بعلاج ملك الدانمرك الشاب، المتزوج من أميرة إنجليزية ساذجة مثله، لكنها شابة وغير مريضة، وإن لم تكن، قبل الزواج، تعرف شيئا خارج تقاليد القصر القاسية، التي حجزها فيه أخوها الملك البريطاني، ما جعل انفتاحها على الحياة، اندفاعا يكاد يغيب الوعي، ويكسر كل تقليد.
الرواية تقوم على علاقة حبّ بين الملكة والطبيب، الذي ينتمي إلى حركة تنوير كانت تتوسع في ذلك الوقت، تحدث بشكل منطقي ومتدرج، تكون سببا في توجه البلاد إلى إصدار قوانين تنويرية متتابعة، تغير من طبيعة العلاقات بين الطبقات داخل المجتمع أولا، وتثير حفيظة المتحكمين بالبلاد وبالقصر، لأنهم وضعوا على الهامش، فأخذوا يتآمرون، ووجدوا في العلاقة غير المشروعة، والإنجاب، وسيلة لإنهاء حكم الطبيب، لتقدم الرواية لقارئها المعاصر - بكل وضوح - فكرتين غير مباشرتين في طرحهما، كما يقتضي فن الرواية، ربما كانتا وراء كتابتها أساسا: الأولى هي أن الثورة الناضجة لا تتسارع في فرض قواعدها، لأن عليها أن تهيئ المجتمع لتقبل ما تأتي به من جديد، يهزّ أركانه الثابتة، حتى لا يقاومها من انطلقت من أجله؛ والثانية هي أن الفكر الصحيح، وإن انتكس، ستبقى جمرته كامنة تحت الرماد، وسوف تأتي لحظة لانطلاقها، وكأن الرواية تبشر بثورة أخرى، في عالم أوسع من مملكة صغيرة (هي بالطبع الثورة الفرنسية).
لقد أجابت هذه الرواية على سؤالين أساسيين حول الرواية التاريخية، غالبا ما ينساهما الكاتب العربي؛ الأول هو: لماذا نقدم على كتابة الرواية التاريخية، وهل هي رواية أم تاريخ، وما العلاقة بينهما داخل المتن الروائي؟ والثاني هو: هل يكفي أن تكون شخصيات التاريخ، أو أحداثه، مشهورة، حتى يكون موضوعا لرواية تاريخية؟
هل يسأل كتابنا مثل هذين السؤالين قبل أن يكتبوا، أم أن تقليد - الموضة - يجعلهم يظنون أن المركب سهل، كما فعلوا ويفعلون في كل ما يخص استباحة الكتابة الأدبية، شعرا، ونثرا؟

   

كاريكاتـــــير