غزة- خاص نوى- تمام محسن
بين أزقة مخيم البريج بدأت الحكاية كنت في العشرينات من عمري, وانتفاضة الحجارة لازالت تستعر، شاركت في الانتفاضة بحماس وطاقة شاب يحلم بالحرية ويؤمن بالنصر المؤزر.
في أحد أيام الانتفاضة دخل جندي من جنود الاحتلال إلى مخيمنا الثائر. قاده حظه العاثر إلى مخيم يتطاير منه الشرر والغضب، فكمّن له رجال المقاومة، ونصبوا له شرك محكم شاركت فيه، فقُتل الجندي حرقًا داخل الجيب العسكري الذي ساقه إلينا.
اُقتيد بعض الأخوة إلى السجن وتحت وطأة التعذيب اعترف البعض عليّ فداهمت قوات الاحتلال منزلي عدة مرات، واعتقلت والدتي وأخوتي، كان اقتياد والدتي إلى السجن بمثابة طعم لاصطيادي، لم أكن مخيرًا في ذلك و"الحذر لا يمنع القدر " فسّلمت نفسي لأقرب حاجز عسكري نقلوني إلى السجن.
رحلة التعذيب
كانت سياسة التحقيق المتبعة في ذاك الحين هي الاصعب في تاريخ الحركة الاسيرة، قاسى الآلاف مرارة التعذيب السادي، و قضى البعض خلال التعذيب، أذكر منهم الشيخ خليل .بدأت رحلتي في التعذيب في سجن غزة المركزي، أو ما يعرف اليوم بـ"السرايا" كانت رحلة مضنية تجرعت فيها كؤوس الموت الذي اقترب مني مرارًا لولا تدخل العناية الإلهية .
تناوب على التحقيق معي عدة محققين، وجربوا كل أساليب التحقيق بين ترهيب وترغيب، مارسوا بحقي التعذيب الجسدي والنفسي، لثمانية عشر يومًا والتحقيق مستمر معي ومسلسل التعذيب لا يتوقف.
كان احد المحققين يدعى "أبو كريم " أذكره جيدًا وأذكر اساليبه المخادعة في انتزاع الاعترافات من الأسرى، فلقد كان لا يوفر جهدًا في التودد والتحبب، كان كمَنْ يدهن السم بالشهد.
لم يكن كل المحققين من أمثال أبو كريم, فبعضهم احترف فن استنطاق الأجساد بالشبح و الضرب. فُشبحت لساعات طويلة, وأمرني المحقق بأن اجلس القرفصاء على أطراف أصابع قدميّ لساعات وساعات, حرمت من النوم لأيام والويل لي ان غفوت فما أن تغمض عيني حتى أفاجأ بصفعة شديدة على رقبتي تعيدني من جديد لواقع التعذيب .
ذو اللحية الحمراء
ثم نُقلْتُ إلى سجن عسقلان، وبدأت مرحلة جديدة في حياة الأسر, وهي التنقل بين محاكم الاحتلال لمدة 3 أعوام ونصف العام.
الحكم بالسجن المؤبد ينتظرني كنت أعرف ذلك, أوكلت أحد المحامين من الداخل المحتل "اسرائيلي " بقضيتي ,أملا أن يخفف الحكم من المؤبد لعشرين عام . فعقد المحامي والنيابة صفقة تقتضي بأن أخرج بعد عشرين عام .
كان يترأس محاكمتي قاضي معروف بأنه سادي وعنصري حاقد ,كان يعرف ب "القاضي ذو اللحية الحمراء " ولقد نجح في استفزاز الكثير من الأسرى خلال جلسات المحكمة ورفع سنوات سجنهم إلى خمس أو عشرات سنوات إضافية .واستخدم الأسلوب ذاته معي وكدت انساق لاستفزازه ,لكن المحامي غمزني بطرف عينه فانتصرت على غضبي وسيطرت على اعصابي وأفسدت على "ذو اللحية الحمراء " خطته .
زيارة "أم طلال "
لن أنسى ما حييت أول زيارات لي , حين التقت عيناي بها لم أتمالك نفسي ولم أصدق عيناي , فلقد والدتي قوية الشخصية لا تهزها المصائب ولا تضعفها النكبات , لكن بومها كانت ضعيفة واهنة لم أتصور يوما أن أراها على هذا الحال . عزّ عليها أن ترني بثياب السجن البنية لا تستطيع أن تقبلني ولا أن تمسد جبهتي .
مرت الأيام ثقيلة كثقل الهموم على القلب , في السجن يمر الوقت كمشرط في الأعصاب ,لكنها على كل حال ستمر وتنقشع بفجر الحرية .
في الاسبوع الأخير أقر قانون مجحف بحقنا نحن الأسرى أطلق عليه قانون "المقاتل غير الشرعي " , يتجول بين الزنازين ضابط من الشرطة العسكرية ويجبر الأسير على التوقيع على وثيقة تفيد بانه " مقاتل غير شرعي " فتمدد سنوات السجن للأسير ستة شهور اضافية او سنة او قد تزيد إلى ما يعلم الله .
يا الله ! كم كان ذاك الأسبوع قاسيا , تعلقت فيها عيناي بالغائد والرائح من الضباط في الممر أمام الزنزانة , أتخيل أن في جيب بنطال أحدهم وثيقة "المقاتل غير الشرعي " فيتبدد معها حلمي بالحرية وعناق والدتي.
البعث من جديد
السادس من ابريل 2010 دقت الساعة الثامنة صباحا ولا أنباء حول اطلاق سراحي, غطيت وجهي باللحاف وتوسدت مخدتي وتيقنت بأنه لا أمل في الافراج .
خرج زملائي إلى ساحة "الفورة " فناداني الجندي العجوز بلكنة عربية "وين خشاش ! .. انت مو لازم يكون تحت اللخاف لازم يروخ " . لم تصدق اذناي ما سمعت فقمت وحمد الله وصليت ركعتين لم أدر وقتها ان سجادة الصلاة كانت معكوسة !
نقلت إلى معبر بيت حانون "ايرز " ولشده لهفتي للحرية قطعت نصف كيلو متر عدوا لم أدري كيف قطعتها . كنت أخشى حتى أخر اللحظة أن يتم ارجاعي لأوقع على تلك الوثيقة المشئومة " مقاتل غير شرعي " .
دخلت الجانب الفلسطيني الآن تيقنت أني حر ! حر ! .استنشقت ملء الرئتين , كنت كمن يتنفس لأول مرة في حياتي ,اليوم ولدت وسأحتفل كل عام بمولدي في السادس من ابريل".
























