شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026م20:42 بتوقيت القدس

مختارات من كتاب إدواردو غاليانو : كرة القدم في الشمس والظل

15 ابريل 2015 - 12:04
الكاتب العالمي إدواردو غاليانو
الكاتب العالمي إدواردو غاليانو
شبكة نوى، فلسطينيات:

ترجمة – صالح علماني

اعـتراف المؤلــف

لقد رغبت مثل جميع الأرغوايين فـي أن أصبح لاعب كرة قدم. وقد كنت ألعب جيداً، كنتُ رائعاً، ولكن فـي الليل فقط، فـي أثناء نومي: أما فـي النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء فـي بلادي.

لقد مرت السنوات، ومع مرور الوقت انتهيت إلى القناعة بهويتي: فأنا مجرد متسول أطلب كرة قدم جيدة. أمضى عبر العالم حاملاً قبعتي، وأتوسل فـي الاستادات:

ـ لعبة جميلة حباً بالرب.

وعندما أرى كرة قدم جيدة، أحمد هذه المعجزة دون أن يهمني قدر فجلة من هو النادي أو البلد الذي قدم ذلك اللعب الجيد.

كـرة القــدم

تاريخ كرة لقدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب. فكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب. وفـي عالم نهاية قرننا هذا، تستنكر كرة القدم الاحترافـية ما هو غير مفـيد، وما هو غير مفـيد فـي عرفها هو كل ما لا يعود بالربح. وليس هناك أية أرباح تجنى حين يتحول الرجل، لبرهة، إلى طفل ، يلعب بالكرة مثلما يلعب الطفل بالبالون ومثلما تلعب القطة بكبة خيوط صوفـية: يصبح راقصاً يرقص بكرةٍ خفـيفة مثل البالون الذي يطير فـي الهواء أو مثل كبة الصوف التي تتدحرج، لاعباً دون أن يدري أنه يلعب، ودون أن يكون هناك سبب أو توقيت أو حكم.

لقد تحول اللعب إلى استعراض، فـيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين، إنها كرة قدم للنظر. وتحول هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحاً فـي العالم، لايجري تنظيمه من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب. لقد راحت تكنوقراطية الرياضة الاحترافـية تفرض كرة قدم تعتمد السرعة المحضة والقوة الكبيرة، وتستبعد الفرح، وتستأصل المخيلة وتمنع الجسارة.

ومن حسن الحظ أنه مازال يظهر فـي الملاعب، حتى وإن كان ذلك فـي أحيان متباعدة، وقحٌ مستهتر يخرج على النص ويقترف حماقة القفز عن كل الفريق الخصم وعن الحكم وجمهور المنصة، لمجرد متعة الجسد المنطلق إلى مغامرة الحرية المحرمة.

اللاعــب

يركض لاهثاً على شفـير الهاوية. فـي جانب تنتظره سماوات المجد، وفـي الجانب الآخر هوة الدمار.

الحي الشعبي الذي خرج منه يحسده بأسره: فاللاعب المحترف قد نجا من العمل فـي المصنع أو المكتب، إنهم يدفعون له من أجل توفـير التسلية، لقد ربح اليانصيب. وبالرغم من أنه يتوجب عليه أن ينضح عرقاً مثل مرشة، دون أن يكون له الحق فـي التعب أو الخطأ، فإنه يظهر فـي الصحف وفـي التلفزيون، وتردد الإذاعات اسمه، والنساء يتنهدن من أجله، والأطفال يريدون تقليده. أما هو الذي بدأ يلعب من أجل متعة اللعب، فـي الشوارع الترابية للأحياء الهامشية، فقد صار يلعب الآن فـي الاستادات الكبرى من أجل واجب العمل، وهو مجبر على الربح أو الربح.

رجال الأعمال يشترونه، يبيعونه، يعيرونه، ويسلم هو قياده لهم مقابل الوعد بمزيد من الشهرة ومزيد من المال. وكلما نال شهرة أكبر، وكسب أمولاً أكثر، يصبح أسيراً أكثر. إنه يخضع لانضباط عسكري صارم، ويعاني كل يوم عقوبة التدريب القاسية، ويخضع لقصف المسكنات وتسلل الكورتيزون الذي يُنسيه الألم ويزيف حقيقة حالته الصحية. وعشية المباريات المهمة يحبسونه فـي معسكر اعتقال حيث يقوم بأعمال شاقة، ويأكل أطعمة غبية، ويسكر بالماء وحده، وينام وحيداً.

فـي المهن الإنسانية الأخرى يأتي الغروب مع الشيخوخة، أما لاعب كرة القدم، فقد يشيخ وهو فـي الثلاثين من عمره. لأن العضلات تتعب باكراً. وعندئذ تسمع من يشير إليه قائلاً:

- هذا لا يمكنه أن يسجل هدفاً حتى فـي ملعب يميل نزولاً.

- هذا؟ لن يسجل هدفاً حتى ولو قيدوا له يدي حارس المرمى.

وقد يشيخ لاعب كرة القدم قبل الثلاثين إذا ما أفقدته ضربة كرة صوابه، أو إذا ما مزق سوء الحظ إحدى عضلاته، أو كسرت ركلة إحدى عظامه التي لا سبيل إلى إصلاحها. وفـي يوم مشؤوم، يكتشف اللاعب أنه قد قامر بحياته وأن المال قد تبخر وتبخرت معه الشهرة أيضاً. فالشهرة سيدة محترمة مراوغة، لم تترك له حتى رسالة عزاء صغيرة.

حـارس المـرمـى

يسمونه كذلك البواب، والغولار، وحارس الحاجز، وحارس القوس، ولكننا نستطيع أن نسميه الشهيد، الوثن، النادم، أو المهرج الذي يتلقى الصفعات. ويقولون إن المكان الذي يطأه لا ينبت فـيه العشب أبداً.

إنه وحيد. محكوم عليه بمشاهدة المباراة من بعيد. ينتظر وحيداً إعدامه رمياً بالرصاص بين العوارض الثلاث. كان فـي السابق يرتدي الأسود، مثل الحكم. أما الآن، فلم يعد الحكم يتنكر بزي الغراب، وصار حارس المرمى يسلو وحدته بتخيلات ملونة.

إنه لا يسجل أهدافاً. بل يقف ليمنع تسجيلها. ولأن الهدف هو عيد كرة القدم: فإن مسجل الأهداف يصنع الأفراح، أما حارس المرمى، غراب البين، فـيحبطها.

يحمل على ظهره الرقم واحد. أهو الأول فـي قبض المال؟ إنه الأول فـي دفع الثمن. فحارس المرمى هو المذنب دائماً. وهو الذي يدفع الثمن حتى لو لم يكن مذنباً. فعندما يقترف أي لاعب خطأ يستوجب ضربة جزاء، يتحمل هو العقوبة: يتركونه هناك، وحيداً أمام جلاده، فـي اتساع المرمى الخاوي. وعندما يتعرض الفريق لسوء الحظ، يكون عليه هو أن يدفع الثمن تحت وابل من الكرات، ليكفر عن ذنوب الآخرين.

يمكن للاعبين الآخرين أن يخطئوا أخطاء فاحشة مرة ومرات، ولكنهم يستردون مكانتهم بعد القيام بمراوغة استعراضية، أو تمريرة بارعة، أو تسديدة صائبة: أما هو فلا يمكنه ذلك. الحشود لا تغفر لحارس المرمى. أقفزَ فـي الفراغ؟ أكان مثل الضفدع؟ هل أُفلتت منه الكرة؟ أأصبحت اليدان الفولاذيتان حريراً؟ بخطأ واحد فقط يدمر حارس المرمى مباراة كاملة أو يخسر بطولة، وعندئذ ينسى الجمهور فجأة كل مآثره ويحكم عليه بالتعاسة الأبدية. وتلاحقه اللعنة حتى نهاية حياته.

المعبـود

وفـي يوم ميمون تقبّل ربة الريح قدم الرجل، القدم المُذَلة المُهَانة، ومن هذه القبلة يولد المعبود فـي كرة القدم . يولد فـي مهد من القش وفـي كوخ من الصفـيح ويأتي إلى الدنيا محتضناً الكرة.

إنه يعرف اللعب منذ أن يبدأ المشي. ففـي سنواته المبكرة يُبهج المراعي، يلعب ويلعب فـي مجاهل الضواحي الهامشية إلى أن يخيم الليل ولا يعود قادراً على رؤية الكرة، وفـي سنوات شبابه يطير ويُطيِّر فـي الاستادات. فنونه البهلوانية تجتذب الحشود، أحداً بعد أحدٍ من كل أسبوع، ويتنقل من فوز إلى فوز، ومن تصفـيق حماسي إلى آخر.

الكرة تبحث عنه، تتعرف عليه، تحتاج إليه. وعلى صدر قدمه تستريح وتتأرجح. إنه يُخرج منها الألق ويجعلها تتكلم، وفـي هذا الحديث بين اثنين يتحدث ملايين البكم. المجهولون المحكومون بأن يكونوا مجهولين دائماً، يمكنهم أن يشعروا بأنهم أحدٌ ما للحظة، بفعل وظرافة هذه التمريرات المعادة بدقة، هذه الطفرات التي ترسم حروف Z على العشب، هذه الأهداف بضربة الكعب أو بحركة التشيلية (دبل كيك): حين يلعب هو، يكون فـي الملعب اثنا عشر لاعباً.

ـ أتقول اثني عشر؟ قل خمسة عشر! عشرين!

الكرة تضحك مشرقة فـي الهواء. فـينزلها هو، ينوّمها، يغازلها، يراقصها، وحين يرى محبوه هذه الأشياء التي لم يُرَ لها مثيل، يشفقون على أحفادهم الذين لم يولدوا بعد لأنهم لم يروها.

ولكن المعبود يبقى معبوداً لبرهة وحسب، أبدية بشرية، شيء لا يُذكر؛ فعندما تحين ساعة النحس للقدم الذهبية، يكون النجم قد أنهى رحلته من الوميض إلى الانطفاء. يكون قد تحول إلى هذا الجسد الذي يضم رقعاً أكثر من بدلة مهرج، ويصبح الأكروباتي مشلولاً، والفنان بهيمة:

ـ آه، ليس بحافرك!

ويتحول مصدر السعادة العامة إلى مانعة الصواعق التي تمتص غضب الجمهور:

ـ أيها المومياء!

فـي بعض الأحيان لا يسقط المعبود دفعة واحدة. ولكنه حين ينكسر أحياناً، يلتهم الناس فتاته.

المشــجـع

مرة كل أسبوع يهرب المشجع من بينه ويهرع إلى الإستاد.

ترفرف الرايات، تدوي النواقيس الخشبية والألعاب النارية والطبول، تهطل أمطار من الشرائط وقصاصات الورق الملونة: المدينة تختفـي، الروتين يُنسى، ولا يبقى أي شيء سوى المعبد. وفـي هذا الحيز المقدس، تعرض ألوهيتها الديانة الوحيدة التي لا وجود لملحدين بين معتنقيها. ومع أن المشجع يستطيع مشاهدة المعجزة براحة أكبر على شاشة التلفزيون، إلا أنه يفضل أن يحج إلى هذا المكان حيث يمكنه أن يرى ملائكته بلحمهم وعظمهم وهم يتبادلون الركل ضد شياطين هذه النوبة.

المشجع هنا يلوح بالمنديل، يبتلع لعاباً، غلوب، يبتلع سماً، يأكل قبعته، يهمس بصلوات ولعنات، ثم يمزق حنجرته فجأة بهتاف مدوٍ ويقفز مثل برغوث معانقاً المجهول الذي يصرخ معلناً الهدف بجانبه. وعلى امتداد الصلاة الوثنية، يكون المشجعُ كثيرين. فهو يشاطر آلاف الورعين من أمثاله القناعة بأننا الأفضل، وبأن جميع الحكام مرتشين، وجميع الخصوم مخادعين.

نادراً ما يقول المشجع: «اليوم سيلعب ناديَّ». إنه يقول عادة: «اليوم سنلعب نحن». وهذا اللاعب رقم اثني عشر يعرف جيداً أنه هو من ينفخ رياح الحماسة التي تدفع الكرة حين تغفو، مثلما يعرف اللاعبون الأحد عشر الآخرون جيداً أن اللعب دون مشجع هو أشبه بالرقص دون موسيقى.

وعندما تنتهي المبارة، يبدأ المشجع الذي لم يتحرك من المنصة الاحتفال بفوزه، يا للأهداف التي سجلناها عليهم، يا للدرس الذي لقناهم إياه، أو يبكي هزيمته، لقد غشونا مرة أخرى، يا للحكم اللص. وعندئذ تذهب الشمس ويذهب المشجع. تسقط الظلال على الاستاد بينما هو يفرغ من الحشود. وتشتعل هنا وهناك على المدرجات الأسمنتية بعض مواقد النيران سريعة الانطفاء، بينما تنطفئ الأنوار والأصوات. يبقى الاستاد خاوياً، ويرجع المشجع كذلك إلى وحدته، إلى الأنا التي كانت نحن: يبتعد المشجع، يتفتت، ويضيع، ويصبح يوم الأحد كئيباً مثل أربعاء رماد بعد موت الكرنفال.

المتعصـب

المتعصب هو المشجع فـي مشفى المجانين. فنزوة رفض ما هو جلي أغرقت العقل وكل ما يشبهه، وتمضي مع التيار بقايا الغريق فـي هذه المياه التي تغلي، وهي هائجة على الدوام بغضب لا هدنة فـيه.

يصل المتعصب إلى الملعب ملتحفاً راية ناديه، ووجهه مطلي بألوان القميص المعبود، مسلحاً بأدوات مقعقعة وحادة، وبينما هو فـي الطريق يكون قد بدأ بإثارة الكثير من الصخب والشجار. وهو لا يأتي وحده مطلقاً. ففـي وسط السبيكة الباسلة، أم أربع وأربعين الخطرة، يتحول الخائف إلى مخيف، والمهان إلى مهين للآخرين. القوة الكلية فـي يوم الأحد تخالف حياة الإذعان فـي بقية الأسبوع، والفراش دون رغبة، والوظيفة دون ميل أو اللاوظيفة: فـيكون لدى المتعصب الكثير من الثارات حين يتحرر يوماً كل أسبوع.

إنه ينظر إلى المباراة وهو فـي حالة الصرع تلك، ولكنه لا يراها. فما يهمه هو المدرجات. لأن ميدان معركته فـي المدرجات. ومجرد وجود مشجع للنادي الآخر يشكل استفزازاً لا يمكن للمتعصب أن يتقبله. الخير ليس عنيفاً، ولكن الشر يجبره على ذلك. والعدو دائماً مذنب، ويستحق لوي عنقه. ولا يمكن للمتعصب أن يسهو، لأن العدو يترصد فـي كل مكان. فقد يكون ضمن المشاهدين الصامتين أيضاً، وقد تصل به الوقاحة فـي أي لحظة إلى إبداء رأيه بأن فريق الخصم يلعب لعباً صحيحاً، وعندئذ يحصل على ما يستحقه.

 

الجــول

الجول هو ذروة المتعة فـي كرة القدم. ومثل ذروة التهيج الجنسي، أصبح الجول يتناقص أكثر فأكثر فـي الحياة المعاصرة.

قبل نصف قرن كان من النادر أن تنتهي مباراة دون أهداف:O × O ، فوهان مفتوحان، تثاؤبان. أما الآن، فإن الأحد عشر لاعباً يقضون وقت المباراة كله متشبثين بالعارضة، منهمكين فـي منع الأهداف دون أن يتاح لهم الوقت لتسجيلها.

الحماسة التي تنفلت كلما هزت القذيفة البيضاء الشبكة، يمكن لها أن تبدو سراً غامضاً أو جنوناً، ولكن يجب أن نأخذ فـي الاعتبار أن المعجزات نادرة الوقوع. والهدف، حتى وإن كان غولاً صغيراً، يتحول إلى غوووووووووووووول فـي حنجرة معلقي الإذاعة، صوت كصوت مغني الدو يخرج من الصدر ويمكنه أن يحكم على كاروسو بالبكم إلى الأبد، وعندئذ يسيطر الهذيان على الحشود وينسى الاستاد أنه من إسمنت فـينفصل عن الأرض وينطلق سابحاً فـي الهواء.

الحكــم

الحكم هو متحكم فـي التعريف. إنه الطاغية البغيض الذي يمارس دكتاتوريته دون معارضة ممكنة، والجلاد المتكبر الذي يمارس سلطته المطلقة بإيماءاتِ أوبرا. الصفارة فـي فمه، ينفخ الحكم رياح القدر المحتوم ويمنح الأهداف أو يلغيها. البطاقة فـي يده، يرفع ألوان الإدانة: الأصفر لمعاقبة المذنب وإجباره على الندم، والأحمر يلقي به إلى المنفى.

حكام التماس الذين يساعدون، لكنهم لا يأمرون، ينظرون من الخارج. الحكم وحده هو من يدخل ميدان اللعب؛ وهو محق تماماً حين يرسم إشارة الصليب لدى دخوله، فور أن يطل أمام الحشود المزمجرة. فعمله يتلخص فـي جعل الآخرين يكرهونه: الجميع يكرهونه. يصفرون له على الدوام، ولا يصفقون له مطلقاً.

لا أحد يركض أكثر منه. فهو الوحيد المضطر إلى أن يجري طوال الوقت. طوال الوقت يعدو خبباً، مقصوم الظهر كالحصان، هذا الدخيل الذي يلهث دون راحة ما بين الاثنين وعشرين لاعباً؛ وكتعويض عن كل هذه التضحية، تعوي الحشود مطالبة برأسه. منذ بداية كل مباراة وحتى نهايتها، يتعرق الحكم بغزارة، فهو مضطر إلى ملاحقة الكرة التي تذهب وتجيء بين أقدام الآخرين. مما لا ريب فـيه أنه يتلهف إلى اللعب معها، ولكن هذه النعمة لم تمنح إليه مطلقاً. وعندما تمس الطابة جسده، بصورة عرضية، يتذكر الجمهور كله أمه. ومع ذلك، بالرغم من أنه هناك، فـي الفسحة الخضراء المقدسة التي تكرج فـيها الكرة وتطير، فإنه يتحمل الشتائم، وصفـير الاستنكار، والرجم بالحجارة واللعنات.

فـي بعض الأحيان، وهي أحيان نادرة، يتوافق أحد قرارات الحكم مع مشيئة المشجع، ولكنه لا يتمكن رغم ذلك من إثبات براءته. المهزومون يخسرون بسببه والفائزون يربحون رغماً عنه. إنه علة كل الأخطاء، وسبب كل النكبات، ولو لم يكن موجوداً لابتدعه المشجعون. وكلما كرهوه أكثر كلما ازدادت حاجتهم إليه.

خلال أكثر من قرن كان الحكم يرتدي لون الحِداد. على من؟ على نفسه. أما الآن فإنه يخفـي حداده بالألوان.

المـديـر الفـني

فـي السابق كان المدرب، ولم يكن أحد يوليه كبير اهتمام. ومات المدرب وهو مطبق الفم عندما لم يعد اللعب لعباً، وصارت كرة القدم بحاجة إلى تكنوقراطية النظام. عندئذ ولد المدير الفني، ومهمته منع الارتجال، ومراقبة الحرية، ورفع مردودية اللاعبين إلى حدودها القصوى بإجبارهم على التحول إلى رياضيين منضبطين.

كان المدرب يقول:

ـ سنلعب.

أما المدير الفني فـيقول:

ـ سنشتغل.

الحديث يدور الآن بالأرقام. فالرحلة من الجرأة إلى الخوف، وهي تاريخ كرة القدم فـي القرن العشرين، إنما هي الانتقال من 2-3-5 إلى 5-4-1، مروراً بـ 4-4-2. إن بإمكان أي إنسان غير متضلع أن يترجم هذا مع قليل من المساعدة. ولكن فـيما بعد، لم يعد هناك من يستطيع فهم أي شيء. لأن المدير الفني صار يطوّر صيغاً سرية غامضة مثل المفهوم القدسي ليسوع، ويضع معها خططاً تكتيكية عصية على الفهم أكثر من الثالوث المقدس.

وجرى الانتقال من السبورة القديمة إلى اللوحة الإلكترونية: فاللعبات البارزة تُرسم الآن بواسطة الكمبيوتر وتُعلّم بالفـيديو. وهذه اللعبات الكاملة التي لا تشوبها شائبة، نادراً ما تُرى فـيما بعد فـي المباريات التي ينقلها التلفزيون. بل إن التلفزيون يقنع بعرض التشنج فـي وجه المدير الفني، ويُظهره وهو يعض قبضتيه أو يصرخ بتوجيهات ستقلب مسار المباراة رأساً على عقب إذا ما استطاع أحد أن يفهمها.

ويحاصره الصحفـيون فـي المؤتمر الصحفـي بعد انتهاء المباراة. ولكن المدير الفني لا يذكر مطلقاً سر انتصاراته، مع أنه يصوغ تفسيرات باهرة لهزائمه:

ـ التوجيهات كانت واضحة، ولكن لم يُعمل بها ـ يقول ذلك عندما يخسر الفريق.

آلية الاستعراض تطحن كل شيء، وكل شيء لا يستمر إلا قليلاً، والمدير الفني يمكن استخدامه ثم رميه مثل أي منتج آخر من منتجات مجتمع الاستهلاك. اليوم يصرخ الجمهور به:

ـ ألا تموت مطلقاً!

وفـي يوم الأحد التالي يدعونه لأن يموت.

هو يظن أن كرة القدم هي علم وأن الملعب مختبر، ولكن المسؤولين والمشجعين لا يطالبونه بامتلاك عبقرية اينشتاين وبعد نظر فرويد وحسب، بل وبقدرات عذراء لورديس الاعجازية وقدرة غاندي على التحمل.

المســرح

اللاعبون يمثلون بأرجلهم فـي عرضٍ موجه إلى جمهور من آلاف أو ملايين المتحمسين الذين يحضرونه ـ سواء على المدرجات أو فـي البيوت ـ وأرواحهم معلقة بطرف خيط. من الذي يكتب النص؟ أهو المدير الفني؟ العمل يسخر من المؤلف. فخط تطوره يساير منحى مزاج الممثلين ومهارتهم، وهو يعتمد فـي نهاية المطاف على الحظ الذي يهب، مثل الهواء، حيث يشاء. ولهذا فإن حل العقدة هو سر غامض على الدوام بالنسبة إلى النظارة والممثلين على السواء، اللهم إلا فـي حالات الرشوة أو الحتمية القدرية.

كم من المسارح يوجد فـي مسرح كرة القدم العظيم؟ كم من المشاهد يتسع لها مستطيل العشب الأخضر؟ فليس جميع اللاعبين يقتصرون على التمثيل بأرجلهم وحدها.

هناك لاعبون بارعون فـي فن تعذيب الآخر: يضع اللاعب منهم قناع القديس الذي لا يستطيع قتل ذبابة، ثم يبصق على الخصم ويشتمه ويدفعه ويذر التراب فـي عينيه، ويوجه إليه ضربة مرفق صائبة على فكه، أو يغرس مرفقه فـي أضلاعه، أو يشده من شعره أو قميصه، ويدوس على قدمه وهو واقف أو يدوس على يده عندما يسقط أرضاً، ويفعل كل ذلك من وراء ظهر الحكم، بينما حكم التماس يتأمل الغيوم التي تمر فـي السماء.

هناك لاعبون تاريخيون فـي فنون ابتزاز المنافع: يضع اللاعب منهم قناع المسكين البائس إلى أن يبدو أحمق، ولكنه يكون أخرق، وعندئذ يبدأ بجني المنافع: ينفذ ضربة المخالفة، أو رمية الجزاء أو رمية التماس على بعد فراسخ عن المكان الذي حدده الحكم. وعندما يكون عليه أن يشكل حاجزاً، ينزلق من المكان المحدد، ببطء شديد، دون أن يرفع قدميه، إلى أن يضعه بساط الريح فوق اللاعب الذي سيسدد الكرة.

وهناك لاعبون لا يُعلى عليهم فـي إضاعة الوقت: يضع اللاعب منهم قناع الشهيد الذي صُلب للتو، وعندئذ يتدحرج محتضراً، ممسكاً بركبته أو برأسه، ويبقى مطروحاً على العشب. تمر الدقائق. ويأتي المدلك بخطوات سلحفاة، إنه اليد المباركة، بدين متعرق، تفوح منه رائحة المراهم، يأتي واضعاً منشفة حول عنقه، وحاملاً زمزمية فـي إحدى يديه، وفـي اليد الأخرى شراب طبي مؤكد المفعول. وتمر الساعات والسنون إلى أن يأمر الحكم بإخراج هذه الجثة من الملعب. عندئذ يقفز اللاعب فجأة، بلوب، وتحدث معجزة الانبعاث.

الاختصـاصيـون

قبل المباراة يصوغ المراسلون أسئلتهم المربكة:

ـ أأنتم مستعدون للربح؟

ويحصلون على أجوبة مذهلة:

ـ سنبذل كل ما بوسعنا للفوز.

بعد ذلك يأخذ المعلقون الكلمة. معلقو التلفزيون يتابعون الصور التي تظهر على الشاشة، ولكنهم يعرفون جيداً أنهم لا يستطيعون منافستها. أما معلقو الإذاعة بالمقابل، فهم غير معرضين لأمراض القلب، ذلك أن معلمي الحيرة هؤلاء يركضون أكثر من اللاعبين وأكثر من الكرة نفسها، ويروون بإيقاع دواري وقائع مباراة لا تكون لها فـي العادة علاقة كبيرة بما يراه أحدنا فـي الملعب. ففـي هذا الشلال من الكلام تلامس العارضةَ كرةٌ يراها أحدنا تلامس أعالي السماء، ويتعرض المرمى لخطر هدف وشيك فـي الوقت الذي تنسج فـيه العنكبوت بهدوء شباكها من أحد قائمي المرمى إلى الآخر، وفـي الوقت الذي يتثاءب فـيه حارس المرمى من الضجر فـي مرماه.

وعندما تنتهي الجولة المتوترة فـي أحضان المارد الإسمنتي، يأتي دور المعلقين الرياضيين. وكان هؤلاء المعلقون قد قاطعوا نقل المباراة عدة مرات من قبل، لكي يشيروا على اللاعبين ما يتوجب عليهم عمله، ولكن اللاعبين لا يتمكنون من سماعهم لأنهم مشغولون بارتكاب المخالفات. هؤلاء المنظرون لـِ WM ضد MW، هم الشيء نفسه ولكن بالمقلوب، يستخدمون لغة تراوح فـيها سعة الإطلاع العلمي ما بين الدعاية الحربية والنشوة الغنائية. وهم يتكلمون دائماً بصيغة الجمع لأن كل واحد منهم كثيرون.

الاســتاد

هل دخلت يوماً إلى استاد مقفر؟ جرب ذلك. توقف فـي منتصف الملعب وانصت. ليس هناك ما هو فارغ أكثر من استاد فارغ. ليس هناك ما هو أكثر بُكماً من المدرجات الخاوية.

فـي استاد ويمبلي ما زالت تدوي ضجة مونديال 1966، الذي كسبته إنكلترا؛ ولكنك إذا أصغيت جيدا فستسمع زفرات آتية من مونديال 1953، عندما فاز الهنغاريون على المنتخب الإنكليزي. واستاد الذكرى المئوية (ثينتيناريو) فـي مونتيفـيديو يتنهد حنيناً لأمجاد كرة القدم الأورغوايية. وما يزال استاد ماراكانا يبكي الهزيمة البرازيلية فـي مونديال 1950. أما فـي استاد بومبونيرا فـي بوينس آيرس، فتدوي الطبول منذ نحو نصف قرن. ومن أعماق استاد الأزتيك فـي المكسيك تتردد أصداء الأناشيد الشعائرية للعبة الكرة المكسيكية القديمة. واستاد كامب نو فـي برشلونه يتكلم الكتلانية، وتتبادل الح

كاريكاتـــــير