شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026م21:15 بتوقيت القدس

غونتر غراس في حضرموت

15 ابريل 2015 - 09:46
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم - حسن مدن

محطتان، أو ثلاث بالأحرى، تستوقفنا في سيرة الألماني حامل "نوبل" للآداب غونتر غراس الذي رحل منذ يومين .

الأولى انضمامه للحزب النازي فترة فتوته، يوم كانت النازية في أوجها، وهو أمر لم يعترف به غراس إلا متأخراً، لم ينظر الألمان ولا قراؤه في العالم لهذا الأمر كنقيصة في سيرة الرجل، فلم يكن بوسع الأغلبية الساحقة من الشبان الألمان يومها أن يفلتوا من جبروت الدعاية النازية، لكن كل السيرة الأدبية والإنسانية اللاحقة لغراس كانت نقيض الفكرة النازية، هو الذي سعى، عبر كتابته ومواقفه، لمداواة أمته من عارها .

غونتر غراس المتعدد المواهب الإبداعية، الشاعر والرسام والروائي والمصور، كان من أبرز المناهضين للصهيونية والمتعاطفين مع القضية العادلة للفلسطينيين، خاصة بعد قصيدته الناقدة ل"إسرائيل"، معتبراً إياها "قوة نووية، تهدد السلام الدولي الهش بطبيعته"، مشيداً بالخبير النووي موردخاي فعنونو، الذي كشف تفاصيل البرنامج النووي "الإسرائيلي" السري عام ،1986 وذلك في قصيدة تحمل عنوان "بطل من أيامنا" .

وهو ما أثار حفيظة الأوساط المؤيدة للصهيونية في ألمانيا وخارجها، فأصبح ضحية حملة اتهمته بمعاداة السامية، ومنع من زيارة "إسرائيل" . وفي السياق نفسه عارض العدوان الأمريكي على العراق واحتلاله، وانتقد ما عدّه تساهلاً من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من فضيحة التجسس الأمريكي على هاتفها الجوال .

ثمة محطة مهمة تعنينا كثيراً، ولها أهميتها اليوم لحظة رحيله، هي إعجابه الكبير بالموروث الثقافي لليمن، حيث زاره عام ،2004 للمشاركة في ملتقى الرواية العربية - الألمانية الذي عقد حينها في العاصمة صنعاء، حيث سحرته اليمن بتراثها وتاريخها وموروثها الثقافي والحضاري الفريد، ما حمله على العودة إليها ثانية، وتبرع بمليون دولار لإنشاء مدرسة لتعليم صناعة البيوت الطينية في مدينة شبام التاريخية بمحافظة حضرموت التي تحوي أقدم ناطحات سحاب في التاريخ، حيث أدرك الرجل بحسه الإبداعي والإنساني المرهف الأهمية التاريخية للعمارة اليمنية، وبالمخزون الحضاري لهذا البلد المفصلي في الجزيرة العربية .

بوسع مؤلف "الطبل الصفيح"، روايته الأشهر، الذي غادر الدنيا أن ينام بسلام فأدبه سيظل شاهداً على عصر بكامله، هو الذي يُنظر إليه كأهم أديب ألماني في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث استمر في ممارسة دوره الثقافي والسياسي، ناقداً للأحداث التي تدور حوله، من موقع انحيازاته اليسارية لقضايا حقوق الإنسان، والكتّاب المضطهدين، ورفضه للحروب، وداعية لقيم السلم والعدالة الاجتماعية والحرية .
عن جريدة "الخليج" الاماراتية

كاريكاتـــــير