بقلم - محمود منير
قصيدة واحدة تقيم الدنيا ولا تقعدها, وتستدعي تحليلاً لمضمونها ومستواها الفني من سياسيين ومؤرخين وأدباء صهاينة وأوروبيين, فقط لأنها دعت إلى وقف النفاق الغربي تجاه إسرائيل.
ما ينبغي أن يقال للروائي غونتر غراس كانت قصيدة صادمة للشعب الألماني, الذي مُنع عقوداً ستة, من نقاش الحقبة النازية - مرحلة من تاريخه الحديث- لدرء تهمة معاداة السامية عنه, ليصمت منذ تلك اللحظة وحتى اليوم عن قتل إسرائيلي ممنهج للشعب الفلسطيني.
بدأ النقاش وربما لن ينتهي, منذ الأربعاء الفائت, إذ اضطرت الصحافة الألمانية أن ترد على روائيها, الحائز على نوبل عام ,1999 معتبرة انه أساء لوطنه وللكيان الصهيوني في آن.
ردود تضمنت آراء سياسية لم تتمكن من نكران ممارسات الاحتلال الجائرة بمصادرة الأراضي وتوسع الاستيطان, لكنها حاولت النيل من القصيدة لأن غراس لم ير ايران خطراً مثلما هي إسرائيل التي يمكنها إبادة الشعب الإيراني وغيره من شعوب المنطقة, وفق تعبيره.
تبدو صرخة صاحب رواية تخدير جزئي كانت بآخر قطرة حبر, ولأن الألمان مثقلون بما يكفي, ولهذا قد لا يمكنهم التكفير بكل الأعذار المعتادة عن القوة النووية الإسرائيلية, بحسب القصيدة, بينما لا يزال هناك حبر كثير لطباعة الصحافة الألمانية والعقل الأوروبي عموماً دفاعاً عن إسرائيل!
وليس بعيداً عن اتهام القصيدة ب¯الركاكة, وضعف المستوى الفني, عادت الصحافة الإسرائيلية والغربية الى التذكير باعترافات غونتر غراس نفسه عام 2006 أنه كان عضواً في الفرقة النازية الخاصة (HitlerZs Weapons SS) , وهو في السابعة عشرة من عمره.
الابتزاز قد لا ينفع هذه المرة, فجميع الدعوات بسحب نوبل أو أي جائزة أخرى من صاحب قبو البصل باءت بالفشل, وأثار اعترافه واعتذاره عن القتال في صفوف الجيش النازي تقديرا واحتراماً بالغين.
اعتذار تحكمه رؤية سياسية لأديب يساري يدافع عن القضايا العادلة, إلى جوار كتّاب فرنسيين كبار - مثل سيلين - اصطفوا مع النازية وجاهروا بعدائهم لليهود وإسرائيل, ويحظون لغاية اليوم بشعبية لا مثيل لها لدى الفرنسيين.
مرة أخرى, تتجلى إزدواجية المعايير الغربية, بتجاهل حقيقة دامغة سجلها غراس بأن البابا بنيدكيت السادس عشر, كان رفيق سلاح في الكتيبة ذاتها التي قادها القائد الألماني الشهير هينريش هملر, وقامت بعمليات التصفية العرقية ومنها الهولوكوست, غير أن الصمت على مشاركة البابا, يعد ابتزازاً مبطناً, ويحمل دلالاته العميقة.
وفي الوقت الذي يغمض الألمان أعينهم ويتمنون لو لم يسمعوا القصيدة, ليس لأن كاتبهم الأول قد أحرجهم, فربما صدقت نبوءته بتهديد إسرائيل للسلم العالمي بدعم ألماني وغربي, ووقتئذ سيغطي إحساسهم ب¯الجريمة المقبلة أي احساس بالذنب لمسؤوليتهم عن الهولوكست.
مسؤولية تاريخية حيال الجريمة الإسرائيلية دفعت غراس للقول, في قصيدته:
لأنه ينبغي أن يُقال,
قبل أن يفوت أوان قوله غداً:
وكذلك لأننا نحن - الألمان مثقلون بما يكفي-
يمكن أن نصبح داعمين لجريمة
يمكن توقعها, ولهذا قد لا يمكن التكفير
عن اشتراكنا في الذنب ساعتها
بكل الأعذار المعتادة.
الإيرانيون لم يكونوا متفرجين, فقد عنونوا في صحافتهم سكتة شعرية مميتة لأكذوبة إسرائيل في وصف قصيدة غراس, الذي لم يتراجع, بدوره, عن آرائه في مقابلة صحفية أجريت معه, الخميس.
وّجه صاحب الرقصات الأخيرة نقداً قاسياً للبلدان الديمقراطية, التي تنادي بحرية الإعلام, لكن شعبها يتوقع أن تسير على الخط (بتكراره كل ما هو سائد), رافضين نقاش المضمون وتوجيه الأسئلة وهو ما فعله بالطبع
























