بقلم – زكريا محمد:
سيرة أبو حامد الغزالي في (المنقذ من الضلال) سيرة مميزة، على اختصارها، في الثقافة العربية. وهي جوهريا سيرة فكرية، تحمل اعترافات عن معاناته في سبيل الوصول إلى الفكرة الصحيحة، إلى الحق. لكن لو قارنتها باعترافات القديس أوغسطين مثلا فلن تكون شيئا في الحقيقة. اعترافات القديس أوغسطين اعترافات شخصية، حميمة، تطال السلوك والفكر معا.
وهي وإن كانت مثلها مثل اعترافات الغزالي مهووسة بالفكرة الصحيحة، أي بالدين الصحيح الذي لا مثيل له، فإنها لا تخجل من الاعتراف بما هو مشين وبما هو مخز على صعيد السلوك الشخصي لا على صعيد الفكر فقط. اعترافات الغزالي لا تصل إلى هنا. تحرص على أن تخفي ما هو خارج الفكر. بذا ففأس القديس أوغسطين ضربت في لحمه الحي، بينما ضربت فأس الغزالي في الأفكار، حيث لا خزي ولا عار.
فوق هذا، فلدي إحساس ما بأن سيرة الغزالي تتبع نمطا ما يزال سائدا عندنا حتى اليوم. فلكي تمرّر عقيدتك من الأفضل لك أن تظهر كما لو أنك تشككت فيها وهجرتها، في لحظة ما، إلى غيرها. أي أنها يقين ما بعد الشك. بالتالي، فهي تحتوي الشك وتهضمه.
من أجل هذا فحين أعود إلى (المنقذ من الضلال) أتذكر المرحوم مصطفى محمود بكتبه الكثيرة والصغيرة الحجم. ففي كل كتاب كانت هناك مقدمة ما، في البداية أو على الغلاف الأخير، تخبرنا أن الرجل كان شيوعيا ثم عاد إلى الدين الحق. وهنا يكمن جوهر اللعبة.
من دون (شيوعية) مصطفى محمود التي كانت لن يكون مهما إيمانه. لو كان مؤمنا من البدء لما استجلب انتباها. شيوعيته المدعاة هي التي سوّقت فيمانه. ما كان لينفق هذا الإيمان لولا الشيوعية السابقة المدعاة. أي أن شيوعيته تلعب في الحقيقة دور (الجاهلية) عند الإسلام. فمن دون (جاهلية) لم يكن الإسلام ممكنا أصلا. شرط الإسلام هو الجاهلية. وشرط (العهد الجديد) هو (العهد القديم). وشرط اليقين هو الشك المدعى.
يعني، وفي العمق، ليس ثمة اعترافات في (المنقذ من الضلال). ثمة صيغة، ثمة أسلوب فقط.
























