عمان – نوى :
يسابق النظام السوري نفسه في الاونة الاخيرة بارسال رسالات اتهامية للعاصمة الأردنية “تزيد من خلط الأوراق والتوتر”، والتي كانت احدثها تلك التي خصّ فيها الاردن باتهام من وزن تمويل ودعم الارهاب في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين.
تصريح النظام السوري الفجّ بالنسبة لعمان لم يراعي أن الأردن الرسمي والعسكري اليوم مشغول أصلا عن أي حرب كلامية فعلية بإحكام السيطرة على الحدود الشمالية التي سقطت اخرها بيد المعارضة السورية الخميس (حدود نصيب- جابر) وشهدت الكثير من العنف والقصف، اللذين أثارا الذعر لدى السكان الحدوديين من الجانب المحلي الاردني.
اتهام الاردن جاء صريحا في الرسالة التي وجهها النظام السوري للأمم المتحدة للحد من نشاط تنظيم الدولة الاسلامية الذي بات اليوم يسيطر على اجزاء واسعة من مخيم اليرموك، كما جاء التهديد السوري لعمان أكثر وضوحا على لسان سفير دمشق السابق في الاردن بهجت سليمان الذي اعتبر ان “الأردنيين وَصلوا في انخراطِهِم العدواني على سوريا حتّى الرَّقبة”، و”عليهم أن ينتظروا الجزاء نتيجة هذا التجاوز″.
بالتأكيد أيضا لا يخفى على دمشق كما على العالم العربي أن هناك “قصة كبيرة” في الأردن لها علاقة بالمكوّن الأردني من أصل فلسطيني تحديدا، والتي تنسحب بصورة طبيعية على فكرة أي لاجئين فلسطينيين في أي مكان وتزيد من حساسية التعامل معهم، وهو ما يراه خبير استراتيجي من مدرسة الدكتور عامر سبايلة “خطر حقيقي إذ يشكّل إشارة للجوء جديد لعمان من طبيعة ديموغرافية مختلفة عن تلك التي شهدها الاردن طوال الازمة السورية”.
سبايلة يقرأ المشهد كاملا غير منفصل عن الحدود الشمالية وما يجري عليها، والكثير من القلق المرافق للأردن اليوم من أي اختراق للحدود، ما يسهم في نقل النزاع من الخارج القريب جدا (الشريط الحدودي) إلى أطراف الاردن وبالتالي إدخال المملكة ضمن مساحات تصفيات المنطقة المختلفة.
التصفيات اليوم تدركها عمان جيدا، إلا أنها بالنسبة لها جاءت متسارعة، مركّبة ومتزامنة بصورة لا تبدو “بريئة” تماما، فعودة إلى ما قبل اتهام عمان بالعبث بملف مخيم اليرموك بأيام، سيظهر اتهام دمشق للاردن بالضلوع في اسقاط ادلب تزامنا مع ترتيبات مؤتمر المانحين الذي عقد في الكويت والذي يطالب فيه الاردن المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته.
مسوّغ الاردن الاقوى دوما والذي جاء على السنة المسؤولين في الدوار الرابع غير مرة انه لم يكن له “ناقة ولا جمل” في الأزمة السورية، ومع ذلك يتحمل تبعاتها الانسانية الضاغطة عليه.
الاتهام الجديد لعمان اليوم يتأنى المستوى الرسمي بدراسته والتعمق بتبعاته وفق ما يظهر من الصمت عنه لصالح تحصين الحدود اكثر والبحث عن مخارج جديدة، خصوصا وعمان تعي جيدا انها واجهت من ايام قليلة “رفعا لليد الدولية” عن مساعدتها الحقيقية بتحمل تكاليف اللاجئين السوريين والتي عاد بقليل منها (ثلث احتياجاته المقدرة بثلاثة مليارات دولار) رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور في مؤتمر المانحين الاخير في الكويت.
اكتفاء الاردن الرسمي بالرد عبر مصادر حكومية على كونه يقف على مسافة واحدة من الجميع وان تهديدات واتهامات دمشق لا تمت للحقيقة بصلة، رافقها زيارة لوزير الداخلية إلى الحدود الشمالية لتفقدها والتأكيد على اهميتها وفق ما نقلت وكالة الانباء الرسمية الاردنية.
في المقابل، ذهب المستشار العسكري للعاهل الاردني وقائد الجيش الجنرال مشعل الزبن للرياض الامر الذي لا يمكن له ان يمرّ دون بحث ما تمارسه سوريا على عمان من “ضغوطات” وفق مراقبين.
عمان اليوم، كما قلنا سابقا في “رأي اليوم” في عين الازمة، فحدودها الشمالية باتت بخطر حقيقي مع اقتراب المواجهات بين الجيش النظامي والحر من جانب وبين الفصائل المعارضة نفسها من جانب ثانٍ، كما ان ازمتها لا يمكن الحديث عنها بعيدا عن ملف اللجوء واللاجئين، خصوصا ومخيم اليرموك ينبئ بلجوء فلسطيني جديد إلى الاردن، الامر الذي يعتبر في عمان “من اشد المحظورات”، بسبب الارث الديموغرافي التاريخي بين المكون الفلسطيني والاردني من جانب وبين عمان كمركز لـ”تصفية القضية الفلسطينية” بنظر البعض من اصحاب سيناريوهات الوطن البديل من جانب ثانٍ، إلى جانب كل مخاطر فتح الحدود امام موجة لجوء جديد من حيث المبدأ.
اللجوء الجديد ايا كان يعني فتح حدود تستلمها مليشيات لا يعرف احد مدى سيطرتها على أي شيء، او حتى مدى اتجاها للسيطرة واتخاذ تدابير الامان اللازمة لعمان بكل الاحوال، خصوصا بعد كل ما تعرض له الاردنيون من نهب في المنطقة الحرة المشتركة بين الجانبين منذ ساعات الخميس الاولى عقب المشاحنات عند معبر “نصيب” السوري.
فلسطينية اللجوء، تفتح ملفات اخرى اضافية لها علاقة بدخول عمان ضمن اطار “تسويات المنطقة” وضرب صورة “الجزيرة الامنة” التي تعيشها عمان اليوم بصورة وان كانت بعيدة بعض الشيء اليوم الا انها يجب ان تؤخذ بالحسبان.
السعودية سابقا عبّرت عدة مرات عن اهمية امن الاردن بالنسبة لها، الامر الذي يتوقع مراقبون ان تتدخل الاخيرة بصورة او اخرى لاجله في القريب العاجل، وهو ما قد تبدي احتماليات وقوعه الساعات القادمة.
عن دريدة "الرأي اليوم" الالكترونية
























