بقلم – مصطفى السعيد:
لماذا خرج الإتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى الآن؟ وما هي تداعياته على الأحداث الساخنة في المنطقة؟
يثير الاتفاق النووي الكثير من الجدل، الذي أخرجه من دائرة الموضوعية إلى الأهواء السياسية، فزاده غموضا ولغطا.
كانت إيران قد أبطأت المفاوضات عمدا، حتى تتمكن من توسيع إنتاجها من اليورانيوم المخصب، وزيادة وتطوير أجهزة الطرد المركزي، وتمكنت من ذلك، حتى باتت تثير الشكوك حول قرب قدرتها على إنتاج القنبلة النووية، وهو ما دفع الدول الكبرى، خاصة أمريكا لتسريع وتيرة التفاوض مؤخرا، قبل أن تجد القنبلة النووية الإيرانية تحولت إلى أمر واقع، قد يغير الوضع كثيرا.
لكن إيران كانت تواقة أيضا إلى التسريع من وتيرة التفاوض، تحت وطأة الأزمة الإقتصادية، التي تفاقمت مع إنخفاض سعر البترول إلى النصف، وحاجتها إلى تنويع صادراتها، وهو ما تقف العقوبات الإقتصادية دون تحقيقه.
هكذا نجد أن الطرفين قد سعيا بقوة لإنجاز إتفاق الإطار، حتى أن الأيام الأخيرة شهدت تواصلا للمفاوضات طوال الليل والنهار، حتى أنهيا جميع نقاط الخلاف.
أوباما يدرك أن الإتفاق هو الأفضل، ويحقق ضمانة لأمن إسرائيل من قنابل نووية إيرانية كانت على وشك الوجود، ولهذا لم يلتفت كثيرا لما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أمام الكونجرس، لأنه يدرك أن نتنياهو كان يخاطب الرأي العام الإسرائيلي قبيل الإنتخابات البرلمانية، وأن المطالب التي قدمها شبه مستحيلة التحقيق، فتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران هو عمل جنوني، سواء قامت به إسرائيل وحدها، أو بمساعدة الولايات المتحدة، وسوف ينجم عن مثل هذا الهجوم المشكوك في نجاحه، في انلاع حرب مروعة، تتساقط خلالها آلاف الصواريخ المدمرة على إسرائيل، مع حرب برية، وتهديد لنفط الخليج والقواعد العسكرية فيه، بما سيجعل العالم قبل الضربة العسكرية مختلف تماما عن قبلها.
أما تشديد الحصار الإقتصادي على إيران فقد استنفذ أغراضه، وكانت آخر أوراق الضغوط هي حرب أسعار البترول، والتي رفعت خلالها دول الخليج إنتاجها من النفط، بما خفض السعر لأقل من النصف، وتحملت هذه الدول خسائر ضخمة مقابل الضغط على اقتصاد كل من إيران ورسيا.
ستخرج إيران بدون أنياب نووية لفترة طويلة، وبضمانات مشددة، لكن أوضاعه الإقتصادية سوف تتحسن بشكل ملموس، خاصة أنها طورت كثيرا من صناعاتها، ومنها صناعة السيارات القادرة على الحصول على نصيب كبير من الحصة العالمية، كما سيكون بمقدورها تصدير أنواع من الأسلحة التي طورتها خلال الحصار.
وهكذا يمكن القول أن الإتفاق حقق مكاسب لكلا الطرفين، وبإمكان كل منهما أن يتحدث عن إنجاز، لكن عادة إسرائيل أن تكون غير راضية دوما، لتطلب المزيد من التعويض.
يمكن لهذا الإتفاق أن يكون مقدمة مناسبة لتخفيف حدة الاحتقان في المنطقة، والبدء منه في حوار إلى باقي القضايا العالقة، خاصة بين السعودية المنزعجة من القوة الإيرانية، وطهران المتوجسة من الدور السعودي في سوريا والعراق بشكل خاص.
لكن في حال استمرت الأجواء ساخنة في المنطقة، خاصة في اليمن المشتعل، والذي يمكن أن تتطاير منه الشرر إلى أماكن أبعد، فإن طورا جديدا من الحروب قد يتفاقم، وسيكون بمقدور إيران أن تذهب أبعد في التحدي والمواجهة، بقدرات إقتصادية وعسكرية تقليدية أفضل.
الوقت الفاصل بين إتفاق الإطار والاتفاق النهائي يمكن أن يكون ثمينا جدا وكافيا للتوصل إلى تسويات للكثير من الملفات الساخنة، واحتواء أزمات على وشك الإنفجار بشكل أكثر خطورة.
سيكون لقاء أوباما مع دول مجلس التعون الخليجي فرصة لمناقشة هذه الملفات، وطرح تصور لحلول مناسبة ومرضية لكل من طهران والرياض، وإلا فستزيد سخونة المنطقة إلى حد الإنفجار.
(الأهرام المسائي - الأحد 5-2-2015)
























