القاهرة – محمود القيعي:
الأستاذ عباس منصور من المثقفين الذين تعرفهم بسيماهم.. حيث عاش حياته كلها “مواليد 62″، يؤلمه الدم، ويؤرّقه الظلم !
لديه مرارت في نفسه – بلا نهاية – من الحكم العسكري الذي تعاقب على حكم مصر، والذي جنى عليها جناية لا تخطئها العين منذ مارس 1954!
في السطور التالية حوار معه ، عن دور المثقفين المصريين وأدوارهم في صناعة الاستبداد، وهي الأدوار التي رآها عباس منصور تصل الى حد الجرائم.
منصور لديه يقين بأن الثورة في مصر لن تنتهي، إلا بعودة الحقوق – كل الحقوق – لأصحابها من المهمشين والفقراء والأجراء، التي حرموا منها أزمنة عديدة، وحقبا مديدة..
وإلى نص الحوار:
*للمثقف تعريفات كثيرة، منها ما قال به عابد الجابري بأنه صوت أمته،ومنها تعريف ماركس بأنه هوالانسان الذي يسعى للحقيقة للكشف عنها ، برأيكم من هوالمثقف الحقيقي؟
المثقف هومن يعرف اتجاه خطوته يعرف من أين تأتي الشمس وأين تذهب وماذا يفعل الناس حين يغيبون في النوم اوالغيبوبة تحت تأثير الإعلام وضغط الغرائز.
المثقف من يفضّل المشي عن الجلوس في الغرفة.. الذي يتلقى العالم بحواسه التي تجمعت تحت حاسة واحدة هي الوعي في بلد كمصر. تفاصيل كثيرة من الماضي السحيق المثقف هوالذي يعرف دوافعها ومآلاتها.. المثقف هوالذي يعرف كيف تطلع شمس الغد؟
*ما شهدته مصر من أحداث جسام أسقط وجوها كثيرة وأسقط أقنعة، ما هي أبرز تلك الوجوه التي سقطت، وتلك الأقنعة التي كشفت؟
- بالنسبة لي لم تسقط وجوه أواقنعه فأنا أعرفهم جميعا كل الذين ترعرعوا تحت مظلة العسكر من إعلاميين ومثقفين وادباء وفنانين كل الذين باركوا انقلاب عبد الناصر العسكري في مارس 54 وحتى الآن .. أعرفهم من بصمات حضورهم الوقح في الحياة المصرية.. هؤلاء الذين يتنعّمون بعرق الفقراء والأجراء والمعتقلين في سجون العسكر منذ ستين عاما.
إنهم يغيرون أسماءهم دائما من جيل الستينيات إلى الكتابة عبر النوعية إلى الطليعيين الجدد الذين يقسّمون أنفسهم بالنهار إلى فرق للتأييد والمعارضة لكنهم يجتمعون جميعا في آخر الليل على سرير الملك العسكري من لطفي الخولي إلى حجازي إلى شوشه وابوسنة والقعيد وبهاء طاهر والجنرال الغيطاني وخليلته الذين يتفسحون في مدريد وبانكوك..
وهذه البورتريهات البذيئة منقوشة بتفاصيلها في قصائدي من اول ( في المقهى طبعا والخسائر الناجمة عن المشي وصلوات مصرية وقلب أحمد وحتى ديواني الاخير” القرابين “الذي يماطل في نشره مندوب العسكر في هيئة الكتاب الدكتور مجاهد.
*دائما هناك علاقة اشتباه بين المثقف والسلطة، كيف ترى تلك العلاقة؟ وهي يمكن أن يجتمعا معا؟
المثقف الحقيقي لا يستريح ولا تأخذه خطاه تحت مظلة السلطة أيا كانت إنه في صف المعارضة دائما.. في صف المنبوذين وغير المتوائمين مع منظومة العولمة المتوحشة والتي تحتشد وراء ها السلطة لتنميط البشر وتطويعهم في سياسات جامعية تليق بالقطيع في الحظائر والمستنقعات إذا رأيت مثقفا يصطف مع السلطة فاعرف أنه بهلول أوبوق أو ” صبي عالمة” يجمع النقوط.
*خيانة المثقف كانت محورا لمسرحية سعد الدين وهبة ” سكة السلامة “في الستينيات، ترى ما الفرق بين خيانة مثقفي الستينيات وخيانة مثقفي
القرن الحادي والعشرين؟
الخيانات واحدة والجائع الذي يريد طعاما لا يهم أن يتناوله بيديه العاريتين على قارعة الطريق أويتناوله بالشوكة والسكّينة في صالة فخمة بأحد الفنادق السياحية.
في الستينيات كانت التربة المصرية ما زالت تحتفظ بالكثير من الوجوه والقامات التي تربت وتكونت في الملكية، فكان التناقض واضحا بين رجالات مصر وقامتها وبين البهاليل التي تصطف مع السلطة الآن كل الرموز التي يشيدها اعلام السلطة فارغة وتربت على موائد مسمومة وأصبحت حالة التمييز عند أفراد الشعب صعبة هذا هوالفرق.
برأيكم هل أزمة مثقفي مصر هي أزمة ضمير أم أزمة أخلاق أم ماذا؟*
- أزمة المثقفين في مصر هي الصعود على الجثث، فالمناخ الذي تصنعه مؤسسات الدولة منذ ستين عاما أبعد كل الموهوبين وحارب كل الأحرار في الفن والثقافة والسياسة والاجتماع والعلوم ، ولم يبق على موائد السلطة سوى الأشباح الفارغين ..الآن أسمع قرعات الطبل الأجوف في كل مكان.
والثورة في مصر تحديدا لن تنتهي إلا اذا عادت الحقوق الى أصحابها
إنها أزمة عميقة ستضع الثورة حدا لها.
*من يصنع الاستبداد في العالم العربي؟
مصطلح العالم العربي لا يروق لي فما تسميه بالعالم العربي هم شعوب مختلفة وقبائل متصارعة من الخليج الفارسي وحتى طنجى وآسفي في المغرب على المحيط الأطلسي لدينا المصريون والفينيقيون والآراميون والكنعانيون والبابليون والكلدانيون وغيرها ولدينا قبائل عنزة وشمر والرشيد والعجمان وغيرها من قراصنة الخليج وهذه التنويعات الثقافية والعرقية تتنفس طوال التاريخ على هذه الأرض وهي الآن تعبر عن نفسها بوضوح في الصحراء الليبية والجزائرية وجزيرة العرب وبادية الشام واليمن هذا هوالعالم العربي الذي تتحدث عنه أما عم صناعة الاستبداد على هذه الجغرافية…
والمسؤول عن صناعة الاستبداد هواليقين الغيبي الصارم الذي يقصي غيره ويدعي اليقين المطلق..
انظر الى الصراع الدموي بين الرافدين وأرض السواد بين العراق وسوريا في الرقه والحسكة.. المسؤول عن الاستبداد هوذلك اليقين الغيبي بالصواب المطلق.
بخيال الشاعر أي مصير ينتظر تلك الشعوب البائسة ؟*
هذه الشعوب ستضع قدمها في الغد الذي يقوم على التعايش والتسامح وقبول الاخر والرضا بالعيش والتواؤم مع المختلف أيا كان، واعلاء قيمة المصلحة العامة والمنافع المرسلة.. ستهتدي هذه الشعوب الى صيغة جامعة لإدارة أمورها بغض النظر عن اختلافاتها المذهبية والعقائدية والعرقية، سيتعاونون معا لتهيئة المناخ المناسب لتكاثر وتوالد المخاض الذي يوفر لقمة العيش الكريمة والحياة المستقرة.
عن صحيفة "الرأي اليوم" الالكترونية
























