يتعزز النفوذ الايراني في العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين. وقد انقسم العالم العربي بين مؤيد ومعارض. بين من يرى في الحضور الايراني تعزيزا لمحور الممانعة والمقاومة ضد اسرائيل وأمريكا والغرب اي أنه يخدم مصالح الشعوب العربية. وبين من يرى الحضور الايراني مقدمة لزعزعة النظام العربي في الخليج وإخضاع المنطقة لنفوذ ايراني جديد مقبول غربيا او في إطار شراكة مع الغرب. يطيب للبعض ان يؤيد ويدعم النفوذ الايراني بالاستناد لمقياس واحد هو الرفض الاسرائيلي، والرفض الامريكي والغربي وحلفاؤه من دول الخليج لهذا الوجود، كان ذلك يكفي للترحيب والتغني بالموقف الايراني. وبعد التغير الذي طرأ على الموقف الامريكي والغربي، ظل الموقف المؤيد للتدخل الايراني على حاله بالاعتماد على موقف الكونغرس ونتنياهو التصعيدي.
تقدير الموقف بناء على الموقف الاسرائيلي والاميركي ينتمي الى مكون واحد جزئي من بين مكونات عديدة لأي موقف سياسي. فقد تحدث خلافات كبيرة وتباينات في التقدير داخل صفوف الحلف الذي هو من طبيعة واحدة. كما يحدث الان من خلاف بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو. فهذا لا يعني أن الادارة الاميركية انتقلت الى خندق آخر، او عندما يتم تقييم نجاح او إخفاق نظام حكم بالاستناد الى كونه يعارض أميركا او يدعم المقاومة، او لأن هناك انظمة اسوأ صارت تناصبه العداء. فقط لا غير. ويتم تحييد عناصر ومعايير أساسية، كحل المسألة الوطنية، والتنمية الانسانية ومستوى دخل الفرد، والديمقراطية، والحريات، ومنظومة القوانين، والعدالة الاجتماعية، والتعليم، ومقياس الفساد.. الخ.
هل يخدم التغلغل والحضور الايراني مصالح الشعوب العربية، ويدعم تحررها وخلاصها من علاقات التبعية والنهب، أم سيساعد في استبدال علاقات تبعية بأخرى؟ هل يشكل صعود ايران سندا لشعوبنا في نضالها ضد الانظمة المستبدة والديكتاتورية والطائفية، وضد الارهاب الفكري والاستبداد الديني، أم ستكون كابحا له؟.
مضى ردح طويل على استفراد دولة عظمى بالنظام الدولي وبفرض سياساتها، غير ان هناك محاولات لخلخلة احتكار القطب الواحد لمصلحة تعدد الاقطاب. والتعدد يساعد دول العالم الثالث والرابع في تحسين شروطه. ومضى ردح طويل على استفراد دولة اقليمية عظمى(إسرائيل) باحتكار السيطرة على الاقليم بعد خضوع الدولة الاكبر والاهم (مصر) لاتفاقات كامب ديفيد. وقد باءت كل محاولات العراق وسورية في كسر الاحتكار والتحول الى نظام اقليمي متعدد، في حين لم تطرح دول التعاون الخليجي رغم امكانياتها الضخمة وجودها كنظام اقليمي والتمرد على السياسة الاميركية التي تدعم الاحتكار الاسرائيلي للاقليم. غير أن إيران احرزت تقدما على صعيد المنافسة وهي على ابواب كسر الاحتكار الاسرائيلي بالاستناد لتطوير مفاعلها النووي وتطورها الاقتصادي واتساع نفوذها في دول الاقليم. كسر الاحتكار الاسرائيلي مسألة مهمة، وحبذا لو سعت دول أخرى كمصر مثلا لكسر الاحتكار. لان التعدد يعني مراعاة مصالح دول المنطقة، وفي هذه الحالة تتهيأ فرص مواتية لنضال الشعوب ولتمردها على علاقات التبعية.
إذا كان التعدد القطبي والاقليمي افضل من الأحاديات مبدئيا ونظريا، فهذا لا يعني أن علاقات السيطرة ستتغير تلقائيا بمجرد حدوث تعدد. ولا يعني ان ثمار التعدد ستسقط في أفواه الشعوب. لان دولة القطب الواحد تعيد إنتاج الهيمنة من خلال اصطفافات وتحالفات جديدة. وتشترط إجازتها للتعدد بعلاقات سيطرة جديدة تنطوي على حصة ودور عالمي وفي الاقليم، سيما وان الاشتراطات تقترن بحصار اقتصادي وبتلويح استخدام القوة وبمنظومة عقوبات وعزل وحملات إعلامية.
لم تستفد ملايين عمال اسيا فضلا عن شعوبها من صعود الصين كدولة عظمى ومن تطورها الاقتصادي، بل ازداد استغلالها. ولم تستفد شعوب اوروبا الشرقية من صعود روسيا كدولة عظمى وكذلك الشعوب التي تتعرض لطمس حقوقها كالشعب الفلسطيني. استفاد النظام السوري من التعدد القطبي الدولي في مواجهة استحقاق التغيير الديمقراطي - قبل التدخلات- وخسر الشعب السوري. واستفاد النظام الايراني من التعدد في توسعه الاقليمي وفي مصادرة الديمقراطية داخليا، وخسر الشعب الايراني.
إن صعود ايران كنظام مستبد في مواجهة سعي الشعوب للتحرر بما في ذلك سعي الشعب الايراني، يحتمل حصوله على حصة كنظام إقليمي في إطار استراتيجية الهيمنة. سيصبح مسموحا لدولة ايران ان يكون لها نفوذا في العراق وسورية ولبنان واليمن وربما في البحرين، وسيسمح لها باستخدام المفاعل النووي سلميا، جنبا الى جنب مع مشاركتها في الحفاظ على المصالح الحيوية الاميركية ومن ضمنها اسرائيل ودول الغرب. وليس كما يعتقد الواهمون بأن صعود ايران سيعني فتح جبهة الجنوب والجولان وقطاع غزة ضد اسرائيل ووضع نهاية لمصالح "الشيطان الاكبر" في المنطقة. ما وصلت اليه وما قد تصل اليه ايران من اتفاقات لم يكن وليد صدفة او حدثا عابرا. بل هو امتداد لسياسات التعاون الايراني - الاميركي. فقد دعمت ايران الغزو والاحتلال الاميركي لكل من افغانستان والعراق. كان ملفتا الى حد الغرابة صدور فتوى دينية من السيستاني يلزم بها الشيعة في العراق بعدم التعرض للقوات الاميركية المحتلة. وشرح رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي أثرها في مذكراته حين قال : إن تلك الفتوى كان لها الفضل الكبير لتجنب قوات الاحتلال، ومن الجدير بالذكر ان سيد المقاومة حسن نصر الله برر الفتوى في اكثر من خطاب. المرجعية الدينية الايرانية باركت ايضا الانتخابات تحت الاحتلال الاميركي. وتعاون البلدان في تشكيل حكومات طائفية موالية لايران ولاميركا. استمر التعاون الاميركي الايراني في بناء جيش عراقي ونظام حكم من طبيعة طائفية موالية لايران ومعززة للمصالح الاميركية في العراق بمستوى غير مسبوق. ووصل التعاون اوجه بدخول البلدين في الحرب ضد داعش في العراق وسوريا على الطريقة الامريكية اي من خلال الحل العسكري الامني.
ان الشراكة الايرانية الاميركية المعلنة في السيطرة على العراق، والقبول الاميركي غير المعلن بالتدخل الايراني وحزب الله في سورية، وبالتدخل الايراني في اليمن يفسر دخول ايران في إعادة بناء شرق اوسط جديد يجدد علاقات التبعية والهيمنة والنهب. وإذا اضفنا الطبيعة الطائفية للنظام التي تجسدت في بناء نظام طائفي ومليشيا طائفية سوداء في العراق تنافس داعش في جرائمها. وانحياز الدولة الاسلامية لنظام دموي في مواجهة شعبه وافتقادها لاي حساسية تجاه التنكيل البشع بالابرياء السوريين. فضلا عن الديكتاتورية الدينية القابضة على الحكم بالقوة، فإن صعود هكذا نظام اقليمي واتساع نفوذه لا يبشر بالخير. ولا يغير من هذه الحقيقة رفض دولة الاحتلال الاسرائيلي لصعوده، ولا يغير من هذه الحقيقة وجود انظمة عربية تابعة تاريخيا ومستبدة. فلا يعقل المفاضلة بين ثنائيات احلاها مر.
























