تحلّقنا حول إحدى طاولات قاعة الفندق نحتسي بعضاً من القهوة، بعضنا لا يعرف الآخر، وذلك بعدما انتظرنا الموعد المرتقب الذي حددته دعوة "بيت الصحافة للقاء الوفد الفتحاوي "الزائر" إلى قطاع غزة، وعندما تأخر حضور الوفد في الموعد المحدد، انتظرنا لربع ساعة إضافية ثم انسحب بعضنا غضباً على التأخير دون أي اعتذار، وبالتالي التقت هذه المجموعة بالصدفة في قاعة أخرى قبل الانصراف، إلاّ أن هذا اللقاء العفوي اضطر بطبيعة الحال إلى "الدردشة" التي تناولت أوضاع حركة فتح، وسأحاول أن أنقل بعضاً مما أثارته المجموعة خلال هذا اللقاء، خاصة وأنني متفق مع مضمون ما جاء على لسان المجتمعين، هؤلاء الذين لا أعرف، حتى بعد هذا اللقاء، بعضاً منهم.
هذا الوفد، سبقه إلى غزة بعض من قيادات "تيار دحلان" لكن جميعهم حصلوا على تصريحين "لزيارة غزة"، أحدهما إسرائيلي وآخر من حكومة حماس، لا يعرف أحد ما هي الفئة المسموح بها بالزيارة وفقاً للتصريحين، إلاّ أنه بات من المؤكد، أن الزيارة لفترة محددة وليس وفقاً لحق "العودة" طالما أن الأمر ما زال تحت مسمى زيارة إلى "بلدهم الثاني" مع أن قيادة تيار دحلان الزائرة، لم تنجح بالقدوم إلى غزة إلاّ بوساطة من مسؤول ملف المصالحة لدى حركة فتح الأخ عزام الأحمد، حسب ما قالته "حماس"!!
هذا الوفد، يعلم قبل أي طرف آخر، ليس فقط صعوبة مساعيه في رأب الصدع في اطار حركة فتح، إذ غير معقول، أن ينجح هؤلاء في وضع حد للأزمة، طالما أنهم ليسوا فقط جزءاً من الأزمة، بل من مسبباتها، الأمر الذي يعزز بعض الاجتهادات من أن عدم استقرار الأوضاع التنظيمية للحركة في قطاع غزة، هو أحد الأهداف، وفقاً لنظرية المؤامرة، إذ ان التعيينات والتغييرات المستمرة والمتتالية للهيئة القيادية، ليس مجرد صدفة، بل تعزيز لعدم استقرار الحركة في قطاع غزة.. وإذا صح هذا الرأي، فمن المستفيد من هذا الأمر؟!
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا الآن، أوضاع فتح التنظيمية في القطاع وصلت إلى مخاطر شديدة منذ وقت ليس بالقصير، ربما، بل بالتأكيد أن هذه الخطوة جاءت بعد قدوم بعض قيادة تيار دحلان إلى القطاع، وما أشيع حول صفقة بين هذا التيار وحركة حماس، وهي إشاعات لا تزال مستمرة رغم نفي حركة حماس تحديداً لها، خاصة أن دحلان كان قد زار القاهرة والتقى بقيادات ثورة 30 يونيو قبل أيام قليلة من وصول وفده إلى غزة، الأمر الذي أتاح مناخاً لأقاويل عن صفقة تدخلت بها مصر بشأن تنظيم معبر رفح، وبالتالي فإن حركة حماس، استغلت الانقسام الفتحاوي الداخلي، للبحث عن بدائل للمصالحة ولفتح منفذ من خلال دحلان مع جمهورية مصر العربية، كل ذلك في اطار فكرة المؤامرة رغم أن بعض الوقائع قد تؤيد مثل هذه الشائعات.
تيار دحلان لم ينشق عن حركة فتح، بل يؤكد فتحاويته باستمرار، وخلافاً لكافة الانشقاقات العديدة في الحركة، فإن قيادة فتح هي التي أعلنت عن فصل دحلان وأنها على وشك فصل آخرين متهمين بالولاء لتيار دحلان، وإذا كان هذا التيار ما زال قادراً على تعزيز قوته وقدراته، الأمر الذي استدعى زيارة الوفد من قبل قيادة فتح المركزية، فهذا اعتراف بأن هذا التيار بات يشكل قوة مركزية بإمكانها أن تتطور لتصبح الحركة المركزية، على صعيد العضوية على الأقل وليس على الأسس السياسية، لحركة فتح.
ومن قال إن تيار دحلان هو التيار الوحيد في حركة فتح، إذ ان هناك صراعات وخنادق متعددة ومصالح متفاوتة داخل الحركة، باتت على مرأى ومسمع الجميع، غير أن من فوائد تيار دحلان لقيادة الحركة، أن هذه التناقضات والصراعات، تتوحد ضده، ما يخفيها عن الأنظار ويجعلها هامشية، وبفرض أن الأمر تم لتسوية ما مع تيار دحلان، عندها ستظهر المزيد من الصراعات على السطح.
وبنفس القياس ربما، فإن عدم الاستقرار في هيكلية فتح التنظيمية، ليس مقصورا على قطاع غزة، ذلك أن الأنباء المتواترة يومياً تقريباً من الضفة الغربية، تشير، أيضاً، إلى أن هذا الأمر يمتد إلى الضفة، أو على الأصح، موجود أصلاً في الضفة الغربية، باعتبار أزمة فتح في القطاع ما هي إلاّ امتداد لما يحدث في التنظيم في الضفة الغربية، ويقول آخر، فإن الأزمة، رغم خصوصيتها في غزة، ما كانت لتحدث لولا الأزمة العميقة في الحركة الأم.
إن تردي الوضع الفلسطيني، يعود بدرجة كبيرة، إذا ما وضعنا الاحتلال والانقسام جانباً، الى الوضع المتردي لحركة فتح، والمسؤولية الوطنية تقضي بضرورة الإسراع بوضع حد لهذا التردي، باعتبار أن حركة فتح هي التي تقود المسار الوطني الفلسطيني، وهي التيار الناظم للحركة الوطنية الفلسطينية وقيادة ثورة شعبنا الفلسطيني والتاريخ الناصع لنضال هذا الشعب، وما هذا الحرص على مناقشة ما يجري في الحركة إلاّ الدليل على أن الأمر يتعلق بما هو أكبر من الحركة لكي يتسع للقضية الوطنية الفلسطينية.
بعد أيام من هذا اللقاء، غادر رئيس الوفد نبيل شعث إلى الضفة ومنها إلى جمهورية التشيك لمقابلة وزير الخارجية سيرجي شنايدر، وحسب تصريحه فإن هدف هذه الزيارة فتح صفحة جديدة من العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية التشيك، والغريب أننا نعتقد أن الأمر من مهام وزير خارجية دولة فلسطين، لكن ربما لأن حكومة الحمد الله وقبلها حكومات فياض، نسيت أن تعين وزيراً للخارجية، الأمر الذي دفع نبيل شعث إلى أن يترك الوفد في غزة ليواجه وحده التحديات والمواجهات!
[email protected]
























