في حمى تفاعل ذكريات الانتفاضة الأولى وقبلها ذكرى الانتفاضة الثانية، غصّت مواقع الاعلام الاجتماعي بصور منتقاة من انتفاضتين فصل بينهما حوالي ثلاثة عشر عاما. سيلتقط المتصفح سريرياً للصور مظاهر التغيير، ودونما تدقيق، ستلتقط العين المجرَّدة، من القراءة والتحليل، منحنيات التغيير، فسطح الصور ليس سطحا مصقولا على الإطلاق، بل سطح مركَّب الأبعاد وما أبعد..
الصور التي أتجوَّل بينها تعكس الأزياء الشائعة في زمن الانتفاضتين، أستعرضها من خلال ما وُثِّق منها عن صور المشاركة النسوية، في المظاهرات والاعتصامات، الأنشطة والفعاليات والاجتماعات، والدور والمهام.
تأخذنا صور الانتفاضة الأولى باتجاه المرأة التي احتلت موقعاً قيادياً مرئياً ومميزاً، سافرة وبالملابس العصرية، وتأخذنا نحو أهم السمات التي ميزت مشاركتها ومواصفاتها الجماهيرية والديمقراطية، حيث أظهرت بوضوح صدارة حضورها وزخم توسعها وهويتها الوطنية والتقدمية. تلك المرحلة أفرزت قيادات نسوية لا زال تأثيرها قائما وبصماتها واضحة، لعبت خلالها أدواراً مختلفة وفقا لمتطلبات الانتفاضة واحتياجاتها، بشكل تلقائي وطبيعي بعيداً عن القوالب الجنسوية للمهام والأدوار.
في الانتفاضة الثانية، ظهرت مشاركة المرأة أيضا في الشارع وفعالياته، ولكنها مشاركة محدودة فاقدة للطابع الجماهيري والديمقراطي العميق، حيث ضمرت المشاركة الجماهيرية للنساء نتيجة للطابع النوعي الخاص لشكل المواجهات مع الاحتلال، التي غلَبت عليها أشكال المواجهات المسلحة، مما حجّم المشاركة الجماهيرية للنساء وغير النساء، فبدت في الفعاليات الجماهيرية تظهر في مؤخرة الحشود غالبا، مختفية خلف حجابها وجلبابها، ربما انسجاماً مع ضغوط الجو العام غير المباشرة، وعلامة على بدء تكيف المجتمع مع الثقافة المحافظة السائدة، وانتشار مظاهر التديّن أكثر من مضامين الدين.
لقد ارتبط انتشار ظاهرة الحجاب في فلسطين بالأسباب السياسية دون تجاهل الدوافع الدينية، ولكن أيضا رافق الظاهرة تأثير الضغط الاجتماعي للبيئة، كالفقر وفرص الزواج وتسهيل التنقل والدراسة الجامعية، التي ساهم نمو التيار الاسلاموي في تغذيتها. لذلك ظهر نوعان من اللباس، لباس مسيّس ارتبط بهوية القوى الدينية ومشروعها السياسي بهدف الاستقطاب وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، وبما يخلق الانطباع بأن اللباس يعكس الالتزام والتأييد للاتجاه الأيدولوجي لتلك القوى. وفي ذات الوقت ظهر حجاب آخر أُطلق عليه مسمى "الحجاب الاجتماعي" الذي ترافق ظهوره مع الضغوط الاجتماعية العامة والتديّن المظهري، والذي أراد تمييز نفسه والنأي بذاته عن صفة الالتزام السياسي، فظهرت الفتيات والنساء الصغيرات بحجاب الشعر والرأس مع اللباس العصري الحديث للجسد، الذي من خلاله تمتعت مرتدياته ببعض الحرية والحقوق دون ارتباط بمشروع ديني أو سياسي، لكنه أعطى الشرائح التي اختارت التعامل معه، وضعا مثاليا سهّل عليهم طرد "تلبيس المواقف"، وأبعدهم عن المتناقضات السياسية.
لست من محبي الولوج في الزجاج، فالنقاشات المتعلقة بقضايا المرأة وحرياتها وعلى الأخص لباسها، تستدرج تحريك أعشاش الدبابير، وبسبب رفض فئات واسعة النقاش والحوار حول ظاهرة الحجاب وأسباب انتشارها، بل وتقمعه أحيانا رفضا للنقاش فيما تعتبره من المحرمات والعورات. لكن الأمر يستحق النقاش وتجنبه أو تجاهله لا ينفي الحاجة الجادة للبحث فيه، فالصور التي تنقلت بينها استوقفتني وأوقفتني طارحة السؤال: عن معاني التغيير على المظهر وأثره على المشاركة، وعن علاقته بالمحتوى الديني والاجتماعي والسياسي، وعن دوافعه لجهة صياغة القوالب والتوجهات وخلق الانطباعات عن نوعية الهوية المسيطرة على الشارع..
في الحقيقة، ليس من أحد ضد الحجاب الذي لا يعيق مشاركة المرأة في جميع المناحي، ولا يحرمها من التعليم والعمل ومن حقوقها وخياراتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل نحن مع الحجاب الذي يُربط قسرا مع المنظومة الأخلاقية ومواصفات الاستقامة والتماسك.. فقد رأيت ان التحرش والاعتداءات وجرائم قتل النساء قد زادت في ظل ازدياد انتشار اللباس التقليدي وغطاء الرأس، فلم يشكل حاميا أو خطا دفاعيا للأخلاق، هذا ان اعتبرنا تغيير الملابس محطّة نقلت المجتمع من طور إلى آخر بما يتعلق بثقافته ووعيه ونظرته للمرأة.
لقد كان المجتمع سابقا، على قدر أكبر من التحرر، لكنه كان أكثر تقديرا للمرأة وحرية خياراتها وانتماءاتها، وأكثر احتراما لأدوارها المختلفة، وهو المجتمع الذي شكل حماية لتطور أدوارها نحو الأمام باطّراد.. دون تدخلات أو تدابير إجرائية أو قوانين، لأنه المجتمع القيمي المتماسك بجوهره، والبعيد عن المظاهر الشكلية والادعاء والتمظهر.
























