بمناسبة اقتراب اعياد الميلاد المجيدة، وحضور بابا نويل، أردت أن احقق "حلما" طلبا للمستشار القانوني للرئاسة، كان قد "طلبه" عبر اذاعة صوت السلام خلال مقابله له قبل عام تقريبا، إثر الملاحقة التي قام بها مكتب الرئيس أو بالأصح المستشار القانوني للرئاسة لمقال "في المقهى ترسم القرارات الرئاسية".
أشارت مؤسسة الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" في تقريريها للسنتين 2011 و2012 إلى وجود تجاوزات في عملية الترقية لمناصب الفئة العليا؛ فبعضها تم وفق استثناءات أو نتيجة لغياب الاجراءات الواضحة والشفافة في الاختيار أو في عدم وضوح جهة التنسيب والتعيين.
بعد تعديل قانون الخدمة المدنية عام 2005، جرى نقاش حول تفسير أحكام المادتين 16 و17 من قانون الخدمة المدنية المتعلقة بآلية الترقية إلى الفئة العليا وفيها، وقد استقر الرأي آنذاك منح مجلس الوزراء صلاحية الترقية إلى درجة مدير عام (A4)، فيما الترقية لدرجة وكيل ووكيل مساعد بحاجة لمصادقة / قرار رئيس السلطة بناء على تنسيب مجلس الوزراء. لكن في خضم الصراع على الصلاحيات عام 2006 صدرت فتوى بتقوية أصحاب الرأي الآخر لتفسير المادتين المذكورتين أعلاه القاضي بوجوب مصادقة الرئيس على كافة قرارات الترقية للفئة العليا وفي داخلها.
وفي تلك الأجواء "الصراع" جرى نقاش حول مدى سلطة الرئيس في النظر بقرارات التنسيب وقدرته على الاعتراض عليها، وقد برز رأيان في هذا النقاش: الأول يشير إلى وجوب اصدار قرارات الترقية وفقا لتنسيب مجلس الوزراء، باعتبار الحكومة هي صاحبة الاختصاص في الاشراف على الادارة وأن المرسوم الرئاسي هو قرار كاشف (أي اجرائي أو شكلي). فيما الثاني أخذ بحق الرئاسة في النظر في قرارات التنسيب ليس فقط لجهة التأكد من سلامة الاجراءات، بل أيضا لتحديد الاولويات وتعزيز مكانة مكتب الرئيس في الاشراف الاداري.
تم تغليب الرأي الثاني الذي يمنح مكتب الرئيس صلاحيات واسعة دون وجود قواعد محددة تنظم العلاقة ما بين الرئاسة ومجلس الوزراء وحدود النظر في قرارات التنسيب ومدته، واستخدمت هذه الصلاحيات في اطار تعزيز مكانة مكتب الرئيس بشكل عام والمستشار القانوني بشكل خاص في عملية الترقية للمناصب العليا وفي اطارها.
وبات بذلك المستشار القانوني في الرئاسة يتحكم برسم وتحضير قرارات الترقية للفئة العليا في الخدمة المدنية منفردا في ظل غياب القواعد الناظمة من ناحية وتعزيز النفوذ من ناحية ثانية وخضوعه للضغوط من جهات مختلفة من ناحية ثالثة. وبمراجعة للقرارات الرئاسية الخاصة بالترقية الصادرة في الجريدة الرسمية "الوقائع الفلسطينية" يتبين؛
(1) أن عددا من المراسيم الرئاسية بالترقية لموظفين لا تنطبق عليهم الشروط الواجبة للترقية للفئة العليا التي وضعها المستشار القانوني للرئاسة ذاته. فقد سُجل في العام 2012 وحده ترقية خمسة موظفين في مكتب الرئيس استثنائيا، ما يعني انها تمت دون استحقاق أو عدم وجود شواغر على الهيكل التنظيمي أو مخالفة لقانون الخدمة المدنية.
(2) وفي مفارقة عجيبة مع توجهات الرئيس محمود عباس وقراره بوقف الترقيات في الخدمة المدنية نهاية شهر آب من العام الماضي، إلا أننا نفاجئ بإصدار مرسوم بترقية أحد الموظفين في الرابع من شهر تشرين أول يسري مفعوله بأثر رجعي من نهاية شهر أيلول (29/9/2012).
(3) تعيين ثلاثة مساعدين للنائب العام دفعة واحدة، العام 2013، في حين أن الشاغر على الهيكلية هو مساعد واحد بعد تعيينه نائبا عاما، وبذلك اصبح في النيابة العامة خمسة مساعدين للنائب العام في حين تتضمن هيكلية النيابة العامة على ثلاثة مساعدين فقط.
(4) "غزو" السلك الدبلوماسي بتعيينات سياسية "لسفراء ومستشارين" بأشخاص لم يتخرجوا أو يتدربوا في معهد دبلوماسي، ولم يتسع الوقت لهم تعلم قواعد العمل الدبلوماسي. وجزء منهم يتم تحويلهم للسلك الدبلوماسي للحصول على الامتيازات المالية دون حساب للتأثيرات المستقبلية على السلك الدبلوماسي أو حتى خزينة الدولة. وقد نفذ موظفو وزارة الخارجية "السلك الدبلوماسي" اعتصاما، هذا العام، أمام مقر وزارتهم لعدم تنفيذ استحقاقات ترقياتهم كسبب مباشر لكن السبب غير المباشر هو مزاحمتهم في التطور الوظيفي أو انزعاجهم من التعيينات الاستثنائية في السلك الدبلوماسي.
(5) يحتجز مكتب الرئيس "المستشار القانوني" العشرات من قرارات الترقية المنسبة نظاميا، من قبل مجلس الوزراء وجهات الاختصاص، منذ عدة سنوات (منها ما تجاوز التسع سنوات) دون الاعتراض عليها كتابيا وفقا للأصول الادارية لتوضح اسباب الامتناع أو الرفض، "في عملية التحقق من صحة التنسيب إذا جاز التعبير"، بل يقدمون أحيانا اعذارا شفوية في حدود ضيقة أو بصفة شخصية.
اعتقدَ البعضُ أن عدم رد المستشار القانوني للرئاسة كتابيا، على قرارات التنسيب سواء من قبل مجلس الوزراء أو جهات الاختصاص الاخرى، مرده عدم المبالاة أو الاهمال أو احتماء بعض الموظفين السامين خلف شرعية الرئيس. لكنه اتضح أن هذا الأمر مبني على قرار مع "سبق الاصرار والترصد" ليس فقد لتعطيل سير دواليب الادارة بل أيضا لتعطيل سير العدالة بعدم منح مستندا رسميا ممن ترفض ترقيتهم اللجوء للقضاء. خاصة أن مكتب الرئيس خسر في محكمة العدل العليا عدة قضايا تتعلق بقرارات ادارية صادرة عن الرئيس لغياب الاستشارة القويمة التي توفر الحصافة للقرار الرئاسي.
جاءت المطالبة في فتح "الصندوق الاسود" لعملية تحضير المراسيم الرئاسية الخاصة بالترقية للفئة العليا أو فيها، أي شفافيتها، للحد من تأثير مراكز النفوذ، والواسطة والمحسوبية، والعلاقة الشخصية سواء تلك المتولدة في مكة، محجُ المسلمين وقبلتهم للعبادة، أو في المقهى أو أماكن غيرهما.
ويبدو أن المستشار القانوني للرئاسة عند "مطالبته بعنونة المقال في مكة ترسم القرارات الرئاسية" قد غفل على ما يبدو عن أن مكة قد "خانها" الفلسطينيون بانقلابهم على اتفاقها عام 2007،أو أنه لا يعلم أن الحجاج يدعون علينا في مكة بدلا من الدعاء لنا لسوء ادارة أو زيادة تكاليف أو للانقسام.
ويبدو أن البعض لم يَفْهَمْ إلى الآن مقولة عمر بن الخطاب لعامله على مصر عمرو بن العاص "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا"، و/ أو أنهم لم يقرؤوا ما كتبه شاعرنا الكبير محمود درويش في قصيدته "سجل انا عربي".
























