لا شيء يبقى في مكانه طالما استمر الحراك المطلبي وتحريك القضايا، ومن تلك القضايا المتحركة من مربع إلى آخر، مقارنة بالجمود الذي تعانيه معظم القطاعات إن لم أقل كلها، موضوع مشاركة المرأة في العمل السياسي والعام. فهي تتحرك بأجزائها المتنوعة نحو الأمام والخلف أو تراوح في مكانها، وفي هذه المفارقة، تحضر بقوة مشاركة المرأة في مجالس هيئات الحكم المحلي.
على عكس مقولة "غوار الطوشة" اعمل تخطئ تحاسب، التي تدعو إلى عدم العمل درءا للمحاسبة، بل كانت خلاصة تجربة عضوات المجالس المحلية، في تعلُّم العمل بالصواب والخطأ، حيث يحتسب الصواب في الرصيد، ويتم التعلم من الخطأ، والسلبيات التي لا تسحب الايجابيات تُقوّي الأقدام على الأرض.
الصعوبات التي واجهت صعود خمسمائة وثمان وثلاثين عضوة في مائتين وستة وسبعين مجلسا محليا، وذلك في أول انتخابات محلية في عهد السلطة، دفعت وحدة النوع الاجتماعي في وزارة الحكم المحلي إلى تأسيس ملتقى النوع الاجتماعي، وذلك من أجل حماية أول إطلالة نسائية على المجالس بواسطة الكوتا" الانتخابية، في وقت لم تكن مؤيَّدة، الكوتا والإطلالة، من جميع قطاعات وشرائح المجتمع.
فقد عبرت شرائح وقوى اجتماعية عن رفض معلن ومضمر، وبطرق مباشرة والتوائية، وظهرت ترجمات الرفض بالامتناع وعدم التزام في بعض المواقع، أو عبر القبول الشكلي للقانون والالتفاف عليه بإقصاء العضوات عن العمل أو دفعهن نحو الاستقالة والانقطاع.
في الانتخابات المحلية الثانية، صعدت سبعمائة وتسع وثلاثون عضوة من خلال ثلاثمائة وواحد وعشرين مجلسا محلياً، فقد ارتفعت المشاركة حوالي مئتي عضوة، لكن الرقم يجب عدم النظر إليه نسبة للعدد الذي تحقق في الانتخابات السابقة، لأن الحالية نتجت عن مجالس الضفة الغربية دون غزة التي أدارت ظهرها للانتخابات رغم الحاجة الماسة لإجرائها، والزيادة كذلك ناتجة عن زيادة في عدد الهيئات المحلية في الضفة.
لقد أطلقت مائة وعشرون عضوة في المجالس البلدية والقروية فكرة تشكيل شبكات عضوات المجالس في الحكم المحلي، وتأتي الخطوة في سياق مواجهة التحديات والمتطلبات اللازمة للحفاظ على الانجاز المتحقق ودفعه للأمام. لقد أملت الزيادة في عدد العضوات على المؤسسة الحكومية ممثلة بوزارة الحكم المحلي ووحدة النوع الاجتماعي، ومن ملتقى النوع الاجتماعي في الحكم المحلي تطوير تدخلاتهم الداعمة المتناسبة مع المحطة الجديدة، التي تطلق الطاقة الجمعية للعضوات عن طريق آليات فعّالة للتواصل وتبادل الخبرات والتجارب بينهن، والمساهمة في تقوية وتطوير أدواتهن وأدوارهن ومكانتهن في مجالسهن، لخدمة الهدف الاستراتيجي في إحداث التغيير على طبيعة وجوهر توازن في علاقات القوة بين طرفي النوعين الاجتماعيين.
ديناميات الحركة في الحكم المحلي تقع باضطراد، فالفراغ الذي يحدث في غياب تطوير الخدمات والوظائف لا يمكن أن يملأ إلا من قبل هيئات الحكم المحلي، واستثمار أمثل لجميع موارد المجلس البشرية والاستفادة من حضورها النوعي والكمي.
لقد بات للعضوات تجربة وخبرة ومؤسسات داعمة ومهتمة، وأصبح للتجربة محركاتها المنتجة للأفكار والأنشطة والآليات الكفيلة بحماية تجربة المشاركة النسائية، وتليين كوابح العجلات، ودفعها للأمام وتصويب البوصلة نحو التقدم في مجالها الخدمي الخاص.
لقد اقتحمت المرأة الفلسطينية ميدان التدخلات والآليات التي توصلها لأهدافها، وفي الحكم المحلي كانت رائدة في صناعة الأطر والائتلافات والآليات والتدخلات التي من شأنها الإضاءة على الثغرات وتلافيها، فقد كانت سباقة في اجراء التدقيق من منظور النوع الاجتماعي، والبلديات بدأت تخطو نحو إجراء تدقيقها الذي سيمكِّن من تحديد اتجاه البوصلة، وتشكيل الشبكات النسائية للعضوات واحدة من الأطر التي ستوحد التجربة الايجابية، وستقوي التجارب الضعيفة وتصلبها.
والشيء بالشيء يُذكر، فقد ذاع صيت الطريقة التي يتبعها خبراء الأمم المتحدة في وضع نصوص الاتفاقيات أو القرارات ذات الطبيعة الحقوقية والاجتماعية، حيث يشاع أنهم وبعد انتهاء اعداد النص يقولون: "أضف المرأة وقم بالتحريك"! Add women and steer”"، ونحن لا نستمرئ هذه الطريقة، لأنه يوحي وكأن الأمر مجرد إسقاط واجب كالوجبة الكاملة التي بحاجة إلى أن تُرش البهارات والمُنكِّهات، التي يمكن الاستغناء عنها.
























