أشهد أنك أعطيت الحياة كل الفرص الضيقة، وأنك قاومت بعناد من أجل البقاء. وأشهد أنك تشبثت بالحياة ما أتاحته السطور المسجَّلة على الجبين. وأشهد أنك حاولت جعل الرحيل أكثر سهولة وسلاسة، وأنك قد مهّدت وأعطيت جميع من حولك الإشارات والزمن لاستيعاب الفقد. وأشهد أنك قد طلبت الرحمة لمن حولك أكثر مما طلبته لنفسك. لم تكوني من محبي المفاجآت ولديك "فوبيا" من فكرة الانتظار، حيث اختبرت بالوراثة آثار انتظار مفاتيح الفرج. لقد اعتدت على تحضير الدروس والمحاضرات بدقة الأسئلة المتوقعة والإجابات الخطيرة، وتعاملت مع مراحل التهام الجسد وجنون الخلايا ورغبتها في الانفجار وتحدي الطبيعة، ومن عاداتك، كمعلمة وتربوية، على قرع الأجراس بأوقاتها المحددة، وجُبلت على آليات البحث المضني عما يختبئ خلف التحاليل الطبية والسياسية، وكنت بعد فحصها تضعين قراءتك ونتائجك الخاصة. وأمثالك، لا يصدقون إلا نتائج قناعاتهم واستقراءاتهم، فأصبحت مقاتلة على أكثر من جبهة مرضية وسياسية، تتنقلين بين حواجزهما المانعة دورة الحياة الطبيعية من استكمال دورانها. نشأت على التنقل بين أجزائك الموزعة على وطنين بديلين لبعضهما في عرفك، بل وحرصت على اعتبارهما قطع غيار لبعضهما، لاستمرار ممارسة شعائرك في السعي بين شامك وفلسطينك.. وفي حمل وتنقيل أوجاعهما. فمن نسيج "طيرة - حيفا" تشكل الجسد الرقيق، ومن عروق بردى جرت الحياة في الشرايين، ومن تاريخ الشام وفلسطين نمت هويتك، ومن طقوس البلدين ذابت نُسج القلب وتداخلت. وما بين التورط في تفاصيل حب الشام وفلسطين، كبرت هوايتك في جمع ألوانهما المتشابهة والمتشاكسة. لقد اخترت اللحظة التي ناسبتك للرحيل، فقد تعب القلب من التنقل في الوجود الضيق، وضاعف دويّ الانكسارات الفلسطينية والدمار الشامي من تسريع تكسّر صاحبة المشاعر المختلطة، وألحق التشرد الأذى بشعائرك، فما كان أمامك سوى الاستسلام والتوقيع على قرار الرحيل من عالم لم يخضع لمقارباتك الجغرافية. وسبق اللحظة الحرجة انخفاض رصيد انبهارك بالحياة، مع كل نَفَس صعب انتزعته من براثن الأجهزة، ومع كل أمل راودك، ومع كل يوم يمضي بذات الانتظام البليد. لقد جعلت الأنابيب كل ساعاتك وأيّامك متشابهة، وأصبحت تسهرين في العتمة مقلبة الليل بالليل، ومع كل وجع لا تستطيعين الإبلاغ عنه، كانت تتبخر الرغبة بالبقاء ويحلّ الزهد في المكان والزمان. ومع مرور الأيام المتشابهة، عافت نفسك الاستمرار متعلقة ومعلقة بين السماء والأرض، ولم تعودي تتحملين فكرة تقبل الوجع على مراحل، ومللت التعلق بالأنابيب والأجهزة. لقد اضمحل شغفك بالحياة أمام عذاب الجسد، وبواقعيتك بدأت في امتصاص فكرة الموت بقطارة، وتجمَّلت الفكرة في رأسك وجالت وتمددت بحرية في الجسد الجاف، وكنت تهيئين نفسك ومن حولك على ترك العبث في نظام الوجود، وتوقفين الرهان على التجارب وإعادة الثبات لعيونك التائهة في فضاء فسيح. كنت جريئة وتمتلكين وجهاً واحداً وكلمة واحدة، ولم يكن من عاداتك حب الجدل فيما لا طائل من خضه. ولأنك كريمة وذات كرامة، ولأنك لا تستمرئين الاستجداء قررت الرحيل ووقف العذاب الهادئ والبطيء، وعزمت على الانضمام إلى الأرض والتدثر بترابها، وبدأت بحمل المعاول والمجارف تحفرين قبر الحرية. اللعنة على الحياة التي تختارنا بكل الترف والراحة، ولا تتركنا إلا بعد الوقوع في غرامها وغريزة الاعتياد عليها، اللعنة على الموت قبل الأوان. واللعنة على الظروف والحروب التي تسرع النبض حتى الموت، ولتنزل لعنة الله على حياة التشرد والغربة، وعلى الموت الذي يأتي من الخلف. يا إنعام: الحياة فكرة مخيفة أكثر من فكرة الموت، فامض إلى حيث لن يزعجك قلبك بدقاته، ولن تشقيك الشرايين وهمزات الوصل بالحياة. فقد وضعت القلب المسكون بالحياة والمشاعر على قبضتك ووجهته حيثما يشاء، فقد انطلقت روحك المقيدة وحزمت حقائبها من جديد وتحررت، وأسلمت أسرارها ونفثت مع أنفاسها الأخيرة تعب الأيام المتشابهة.
























