شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 09 اكتوبر 2026م22:36 بتوقيت القدس

"الاولاد كبروا" !!

28 نوفمبر 2013 - 15:22
عطالله منصور
شبكة نوى، فلسطينيات:

شهدت في مطلع حياتي في حقل الصحافة بعض التجارب النادرة والتي لا تتكرر الا في مثل الظروف النادرة التي ترافق هزيمتنا الاولى في اعقاب نكبة 1948.غالبية ابناء شعبنا الفلسطيني الذين افاقوا من احلام الوعود العربية الى واقع الذل والمسكنة في دنيا الخيام خارج الوطن. اقل من10% من ابناء فلسطين الذين احتل اليهود بلادهم نجحوا في التمسك بحقهم بالعيش فوق وطن ورثوه من اجدادهم ( وضمت اتفاقية الهدنة من الاردن اليهم قرابة 5% في منطقة المثلث) فاصبح عددنا قرابة 150 الفا في 1949).

واذكر تلك الايام جيدا لان رحمة الله الواسعة رمتني في احضان عالم الصحافة . وهذه الرسالة والمهمة التي لم اكن اجرؤ حتى بالاحلام ان يكون لي مثلها, قبل ذلك. ومن ذكرياتي عن تلك الايام ان ام حسين علي حليحل, صديقة والدتي, سألتني عن احوالي وعملي بعد ان هجرت فريتي ( اثر وفاة والدتي) فقلت لها انني اعمل صحفيا, اي في الجرائد. فاستوقفتني ونظرت الي بسؤال لم اتوقعه : وهل يعتاش الفقراء من بيع الجرائد ؟ واضافت : الله يرحمها امك نجمة. لقد ماتت وهي تأمل بان تراك معلما في المدرسة وابوك( الله يسامحو) بعتك تبيع جرائد!!

طمأنت ام حسين بان عملي " احسن " من المعلم وانني لا ابيع جرايد في محطة الباص. واطمأنت ام حسين وراحت تترحم على والدتي لانني نجحت بفضل تضرعاتها ورضاها علي, وحيدها.

والحقيقة انني كنت محظوظا واول ما كتبته لصحيفة " هعولام هزه" كان تقرير الزيارة قمت بها لبيت دافيد بن غوريون, رئيس حكومة اسرائيل ووزير الدفاع الاول التي جاءت قبل ستين عاماكاملة (في اواخرخريف 1954) حين كان بن غوريون "مستقيلا" من كافة مناصبه في حركة درامية حاول فيها اقناع شباب اسرائيل بالتوجه نحو النقب لاعماره. محاولة بن غوريون لم تجذب الشباب اليهود الى النقب ولكن اللقاءبيننا منحني فرصة ومقالا حصلت منه ما يزيد عن ماهية طيلة شهر من العمل, كما حصلت على دعوة من " هعولام هزه" لتزويدهم بتقارير صحفية امتدت لاربعة عوام حتى التحاقي بصحيفة اسرائيل الاولى " هارتس" وفرصة التعرف على كافة الشخصيات العربية واليهودية التس ساهمت في الحياة العامة - وخصوصا من لعبوا دورا في مختلف انماط الحياة العامة من السياسة والثقافة.

واذكر جيدا كيف نما مجتمعنا العربي حتى اواخر 1966 في ظلال الحكم العسكري ونظام تصاريح السفر والمحاكم العسكرية لمن قبضت عليه الشرطة خارج مكان اقامته دون تصريح خطي من الجيش او مخالفة لشروط الترخيص ( مثلا : ان تأخر في حيفا بعد موعد الباص الاخير لقريته او لأنه سافر خارج المسار المحدد لمكان سمح له بزيارته) واذكر جيدا كيف فرضوا علينا عدم الاتصال بأقاربنا في العالم العربي حتى لو حدث انحاولنا الاطمئنان عنهم بواسطة اقارب يقيمون في الولايات المتحدة او قبرص- كانوا يقرأون رسائلنا الى الخارج وما يصلنا من اقاربنا - وكانوا يعيدون اغلاق هذه الرسائل بعد اضافة عبارة ( ممنوع الاتصال بالعدو!) ومن هنا كان اميركي من اصول لبنانية يستغرب لماذا اطلب منه ان يوصل تحياتي الى خال ابن عمي وصديقي "فكتور" الذي عاش يومها في لبنان!.

وفي أواخر 1966 ألغي "نظام" الحكم العسكري وقبل ان نعتاد على الضوء خارج الزنزانة جاءت هزيمة 1967 فتمنى البعض لو عدنا الى ليل " الحكم العسكري" واحلام الوحدة العربية وزعامة عبد الناصر التي عشناها بين 1956-1967 ! الاحلام والتمنيات لا تتحقق .

ولكن الواقع يقلع ثوبا ويلبس اخر. عدد افراد الفئة الفلسطينية من حملة الجنسية الاسرائيلية يزيد عن المليون, اي ان حجمها تضاعف عشر مرات. حركة "الارض" التي حاولت بعد صيف 1958 اقامة تنظيم سياسي وطني ( ناصري) نجحت في اصدار 13 عددا من نشرة اسبوعية تحمل اسمها ولكن كل عربي اهتم بالعمل الوطني وكل صحيفة اهتمت وتطرقت لهذه الظاهرة النادرة (لان العرب دولا وتجمعات سياسية في مختلف دولهم اهملت - وقاطعت وتنكرت لمصير الاقلية العربية داخل اسرائيل) . واليوم تغيرت - بل انقلبت الامور-وفي الناصرة حضرت قبل ايام يوما دراسيا نظمه " مركز مساواة لحفوق المواطنين العرب في اسرائيل" ومنه سمعت عن تنظيم رحلات سياحية لقطر ومختلف دول الخليج العربي, بعد زيارات قمنا بها الى مصر والاردن وسوريا ولبنان وشمال افريقيا ( والسعودية في مواسم الحج- منذ اكثر من عقود). ورأيت للمرة الاولى مجلة ثقافية محترمة بطباعة راقية ومحتوى لائق تحمل اسم "الغدالجديد" والغريب في امر هذه المجلة انها تصدر منذ اربعة اعوام في قرية "مجدالكروم"( القريبة من عكا!) وتوزع مجانا (وتمول من الاعلانات التجارية التي يدفعها اصحاب مصالح عرب اومؤسسات الحكم المحلي العرب.

ورحت اسأل بعض المشاركين في اللقاء من اصدقائي ان كانوا قد سمعوا بهذه المجلة وكانت الردود سلبية. اصحاب المجلة لم يجدوا من يقوم بنقل خبر صدورها -وتذكرت " الارض" وعبرتها كما تذكرت ايام كنا فيها ننتظر تصريح الحاكم العسكري ونبحث عن صديق ثارت الشائعة على انها حصل على كتاب اومجلة " الاداب" اللبنانية او "روز اليوسف" المصرية حملها له صديق يحمل جواز سفر اجنبيا!

تذكرت المسرحية المصرية فقلت "الاولاد كبروا" يا عرب!

كاريكاتـــــير