سواء اكان الامر يمثل صراعا او علاقات عادية بين الامم والشعوب فنحن دوما بحاجة الى مفاوضين, يقومون بنقاش جوانب الاختلاف ومحاولة الوصول الى حلول ما بين الاطراف المختلفة. وكذلك الحال عند حدوث خلاف ما بين الشركات واصحاب المال والمصالح فهم يتفاوضون على البيع والشراء والاسعار والمنافسة والاسواق. قد يتفقون وقد يصطدمون وتنتهي بهم الامور الى ابواب قضاء له اول واحيانا ليس له الاخر وذلك تبعا للبلد ومدى سيادة القانون من عدمه.
ايضا في الخلافات ما بين القبائل والعشائر يتدخل فيها مفاوضون ممن هم دوما من زعماء العشائر واصحاب الخبرة, والتي تمتاز عشائرهم بالقوة, وفي احيان اخرى بالسيرة التاريخية ذات الصلة بمواضيع الخلافات القبلية والعشائرية.
اما في الملفات الخلافية والتى تاخذ طابع الصراعات الكبيرة ما بين الدول: مثال الملف النووي الايراني, الاسلحة الاستراتيجية ما بين الغرب والشرق, الخلافات الحدودية ما بين اليابان والصين, تفرز كل دولة وفدا مفاوضا يمثلها, وعادة ما يرأس مثل هذه الوفود شخصية سياسية رفيعة المستوى وصاحبة خبرة, وتتمتع بصلاحيات وسلطة اتخاذ القرارات, وتوظف لديها خبراء تكنوقراط مهمتهم فقط التفاوض, والغوص في التفاصيل, وهم بالتالي مفاوضين بالمهنة اكثر من كونهم سياسيين.
ان التكنقراط والمستشارين وفي حال المفاوضات فهم موظفين اكثر مما هم سياسيين, حيث ان كثيرا من الدول توظف لديها خبراء قانونيين, او خبراء بالمياه, او خبراء في الجغرافيه والخرائط واحيانا يكونوا من جنسيات اخرى, وسواء اكان هذا الموظف حاملا لجنسية البلد ام لا فانه يستطيع ان يقدم استقالته. فقد يقدم استقالته لان معاشه لم يعد يروق له, وقد يقدم استقالته لان مديره في العمل جاف او سلطوي, او انه لا يعير ارائه واقتراحته اي اهتمام, لكنه لا يستطيع اتخاذ قرار سيادي لانه ليس شخصية سيادية.
في عاما 1979 وهي فترة الذروة من اتفاقيات كامب ديفد بين مصر واسرائيل برعاية الولايات المتحدة الامريكية, قدم محمد ابراهيم كامل والذي كان وزير خارجية مصر في حينه, والمكلف الرئيس بادارة ملف المفاوضات المصرية الاسرائيلية استقالته, فقد استقال من منصبه كوزير خارجية, ولم يستقل من المفاوضات والتي هي مهمة تنفيذية ذات بعدين سيادي وسياسي, وكانت استقالته اعتقادا وموقفا منه ان السادات قد قدم تنازلات سياسية كثيرة تؤثر سلبا على السيادة الاقليمية والوطنية لمصر, وتهدد الامن القومي المصري على المدى الاستراتيجي.
في المحادثات التي تجري بين الدول الاوروبية وامريكا مع ايران حول ملفها النووي في مجموعة 5+1 انسحبت الاطراف اكثر من مرة, واستقال خبراء ولكن لم يستقيل سياسيين, خاصة ان الملف الايراني هو جزء من ملفات عديدة لهم وليس وظيفة يعملون بها, اما علي لاريجاني فقد استقال من منصبه كامين عام للمجلس القومي الايراني, وبالتالي انتهى دوره ككبير المفاوضين في عام 2007 في الملف النووي.
اعلانات استقالة السياسيين العاملين في العمل السياسي الفلسطيني اصبحت ظاهرة غريبة وتستحق ليس تحليلا سياسيا لها ,انما تحليلا ذو ابعاد سيكولوجية باتت تؤثر سلبا في مقدار ثقة الفلسطينيين بالنظام السياسي, خاصة ان نسمع مثلا ان رئيس الوزراء الحالي الحمد الله استقال, وتبدأ الصحافة المحلية والدولية تناقش الامر, ومن ثم نعود ونراه على رأس عمله, ثم يعود ويستقيل. ومن قبله رئيس الوزراء سلام فياض, اقيل, ثم تم نفي ذلك, ثم استقال, وعاد عن ذلك, الى ان استقال او اقيل مطلع العام الحالي وتم تعيين الحمد الله. ويبدا المواطن الفلسطيني بحالة من التوهان في مسميات غريبة, حكومة مؤقته, او حكومة مستقيلة او حكومة تسيير اعمال .......
اما وفد المفاوضات الفلسطيني وفي اطار المفاوضات مع الاحتلال الاسرائيلي, والتي يسهل نسبيا الجزم بوقت بدايتها قبل ما يقارب عشرون عاما ونيف, لكن لا يمكن الجزم بفترات توقفها, خاصة انها كثير ما تشهد محادثات سرية, واحيانا يطلق عليها "اتصالات فلسطينية – اسرائيلية" محاولة لتجنب الفال السئ لنتائجها , او الاثر السيئ لها على شعبنا الفلسطيني, توقفت المفاوضات عام 2000 على اثر الانتفاضة, استأنفت بشكل خجول عام 2003-2004, وكانت خارطة طريق, استأنفت عبر مؤتمر انابوليس عام 2007 وتوقفت في العام نفسه وهكذا دواليك حتى عام 2013 ورعاية جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة.
لم تتغير الوجوه التي شاركت او قادت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيليه كثيرا, كان الرئيس ابو مازن هو الرأس, وابو علاء قريع ظهير في معظم محطاتها, اما الخبراء فخرجوا وعادوا تبعا للحاجة, اما الدكتور صائب عريقات والذي يترأس دائرة شؤون المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي تتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية, وله مسمى وظيفي اخر, وهو كبير المفاوضين الفلسطييني فهو الاكثر حضورا واستمرارا في المفاوضات منذ بدايتها حتى المرحلة الراهنة. والسؤال الذي يطرح نفسه في كل مرة يعلن فيها صائب عريقات عن استقالته: "حيث سجل الكاتب بنجامين بارت في كتابه – رام الله عاصمة السراب الفلسطيني ان صائب عريقات قد اعلن عن استقالته 42 مرة" , هو- هل يستقيل من منصبه كمدير لدائرة شؤون المفاوضات؟ ام من منصبه كعضو لجنة مركزية في حركة فتح؟ ام من عضوية اللجنة التنفيذية؟
ان استقالة السياسيين من المفاوضات مفهوم غريب في العمل السياسي, الانسحاب من المفاوضات ممكن, القول انها غير ذات جدوى و عبثية ايضا ممكن, بل ان تسمية الامور بمسمياتها يفيد في تعزيز العلاقة, وزيادة الثقة والمصداقية ما بين الجمهور الفلسطيني ومن يتحدثون او يفاوضون باسمه.
اما الاستقالة وفق هذه الطريقة فهي مفهوم درامي واحتجاجي, لا يليق بالقادة السياسيين بل يقلل من شأنهم ومن شأن القضية الفلسطينية برمتها, خاصة ان الرئيس ابو مازن مصر على استمرار المفاوضات حتى اكتمال التسعة اشهر التي تم الاتفاق عليها مع الولايات المتحدة الامريكية. واما ما يضيف بعدا دراميا لها فهو ان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الدكتور محمد اشتية والذي اصر على الانسحاب "بمفهوم الاستقالة" فيما بقي صائب عريقات ليضيف ارباكا لحالة اعلان الاستقالة "الانسحاب" وجاعلا من الدراما عملا فنيا متواضع الاخراج, وتاركا المواطن الفلسطيني ليحلق عاليا في خياله حول الاسباب الحقيقية فيما يتعلق بامر المفاوضات ومجرياتها.
























