شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 10 اكتوبر 2026م07:34 بتوقيت القدس

تحية للسجين المحرر الذي أحب الإبن الذي لم ينجبه!

22 نوفمبر 2013 - 21:08
المحامي زياد أبو زياد
شبكة نوى، فلسطينيات:

التقيته في سجن جنيد المركزي بنابلس في ربيع عام 1991 وقد كنت أقضي حكما بالسجن الاداري لمدة ستة أشهر بينما كان هو قد أمضى أكثر من عشرين عاما في السجن. وكنت أعتبر فترة الاعتقال الأداري فرصة للقاء والعيش مع عدد من رموز الحركة الأسيرة الذين كنت أعرف العديد منهم شخصيا والبعض كنت أسمع عنهم وأتابع نضالاته ولكن لم تتح لي الفرصة للقائهم فكان الاعتقال الاداري بالنسبة لي هو تلك الفرصة..

كنا نجلس في ركن ساحة الفورة الصباحية نلتمس بعض أشعة الشمس تدفيء عروقنا وتبعد عنها رطوبة غرف السجن ، وكان يحدثني عن تجربته وحياته في المعتقل عبر أكثر من عقدين من الزمن . وأنقل هنا قصة باح لي بها وظلت في البال وستبقى..

قال لي أنه حين اعتقل كان مخطوبا لفتاة أحبها وأحبته وكان حلمهما أن يجمعهما سقف واحد ولكن الأقدار شاءت أن تحول جدران المعتقل دون ذلك. وأضاف وهو يسترجع الأيام والذكريات بأنه عندما اعتقل وأدرك أنه سيقضي السنين الطوال وراء القضبان قرر ألا يكون أنانيا ً وأن يترك لخطيبته التي أحبها فرصة أن تعيش حياتها الطبيعية دون أن يقحمها معه في حياة انتظار طويل لا يعرف نهايته. فبعث إليها طالبا أن تأتي في زيارته المرة القادمة مع والدها ، وحين حضرت أبلغها بحضور والدها أنه قرر فسخ الخطوبة لأنه يريد أن يواجه مصيره لوحده ولأنه لا يريدها أن تنتظره السنين الطويلة. وقد رفضت الفتاة فسخ الخطوبة وبكت وتحدثت عن المثل والتضحيات وأنها لن تتخلى عنه ولكنه أصر على ذلك وحاول إخفاء مشاعره تجاهها ليقنعها بأنه ليس معنيا باستمرار تلك الخطوبة فاضطرت مكرهة بعد حين ، على قبول طلبه بعد أن أيقنت أنه لا يريدها !

قال لي أنه كان في غاية الألم وهو يفعل ذلك ولكنه ولأنه كان يحبها أصر على فسخ الخطوبة متيقنا أنها ستتزوج وتعيش حياتها الطبيعية وأن مجرد إحساسه بأنه لم يظلمها وبأنه أمكنها من أن تعيش حياتها سيشعره بالراحة لأن في راحتها سعادته الحقيقية.

وأضاف وهو ينفث سحابة من الدخان في الهواء ويتأمل تعرجاتها : " لقد مضت السنين وذات يوم جاءنا شاب في مقتبل العمر قد اعتقل حديثا وحكم عليه بضعة أشعر. جلست إليه أهديء من روعه وأخفف عنه وأحدثه عن حياة السجن وأطمئنه بأنه سريعا ما سيخرج وأننا نحن هنا باقون السنين الطوال لأن فترة محكوميته لا تكاد تذكر بالنسبة لأحكامنا ". وأضاف :" سألته عن بلده وأهله وأقربائه ثم كانت المفاجأة التي لم تخطر لي على بال !.. لقد اكتشفت أن هذا الشاب الصغير هو ابن المرأة التي كانت خطيبتي وفسخت خطوبتي عنها وتركتها لكي تعيش حياتها كما تشاء ! شعرتُ بأنني لو تزوجتها لكان هذا هو ابني ..وشعرت بإحساس عجيب غريب...ها هو ابني الذي لم أنجبه يجلس إلى جواري في السجن...!..تعلقت به,, وكنت أشتري له الشوكولاته والويفر من الكنتين..أتفقده وهو نائم كي لا يتكشف أو يبرد..عشت الأبوة التي لم أعرفها من قبل واستمرت إلى أن انتهت فترة سجنه وأفرج عنه ...كان شعوري غريبا ومتناقضا...فرحت له لأنه غادر السجن ..وحزنت لفراقه.."

إلى هنا رواية صديقي المعتقل الذي هو اليوم سجين محرر..

كان يروي حكايته بشفافية وصفاء لا يتميز به إلا أولئك الذين أمضوا عشرات السنين في غياهب الاعتقال...عرفت الكثيرين منهم وأدركت بعض مزاياهم..

هذه الصورة الرائعة الجميلة لذلك الشاب الذي أبى أن يكون أنانيا وآثر أن يتعذب ويعاني بمفرده لأنه هو الذي اختار وبقناعة ولم يقبل أن يفرض خياره على غيره هي صورة رائعة للإيثار والرجولة وانعدام الأنانية ، وهي " تاج " على رؤوسنا نفتخر به ونعتز..أقول تاج !

صاحب هذه القصة يعيش اليوم بين ظهرانينا...غادر السجن في صفقة إفراج تمت قبل الصفقة الأخيرة..أترك له أن يكشف عن هويته إن أراد..وأبعث له كل الحب والتقدير والاحترام على موقفه الرجولي...

استذكرت هذه القصة بعد أن سمعت عن حالات معاكسة..عن حالات ارتباط فتيات بمعتقلين أمضين السنين الطويلة وهن يعشن معهم عن بعد تجربة السجن والاعتقال..يمددنهم بالأمل والدفء والتضامن والحب والحلم بزوال السجن ...يشعرن بالتضحية وهن يعشن من أجل مناضل ٍ يفتخرن به وبنضالاته ويتخذنه قدوة ومثلا أعلى...ولكنهم حين خرجوا من السجن أداروا ظهورهم وتخلوا عنهن بسهولة وبأعذار واهية... بعضهم رضخ لأهله الذين أرادوا أن يزوجوه صبية صغيرة لا تلك التي كبرت وهي تنتظره خارج السجن..,,وبعضهم يريد أن ينسى السجن ويعتقد بأن ارتباطه بمن أحبته وهو داخل السجن سيظل يذكره بالسجن.!..وبعضهم يريد فتاة لم تعرف أحدا من قبله ولم تتفتح عيونها إلا عليه.!..وأعذار شتى أخرى لا مجال لسردها.

المرأة الفلسطينية هي نموذج المرأة المناضلة التي تحاول أن تسهم في النضال على طريقتها الخاصة... فهي التي تجوب الأرض من سجن لآخر تنهض قبل الفجر وتسرع إلى باصات الصليب الأحمر وتمضي الساعات الطوال على الطرق وفي ساحات الانتظار أمام السجون وتعاني سوء المعاملة حتى القمع وقنابل الغاز في بعض الأحيان لكي تحظى بلقاء بضع دقائق مع سجينها تراه من وراء الشبك لا تستطيع حتى مجرد لمس يده أو طبع قبلة على جبينه. وهي الأم والزوجة والأخت والخطيبة والحبيبة التي تكتم حبها أو تعلنه ... هي كل هؤلاء وهي تمر بكل تلك المعاناة منذ ما قبل الفجر حتى ساعات المساء المتأخرة.. وقد لا تجد طيلة تلك الساعات شربة ماء أو لقمة تضعها في فمها..وهي تفعل ذلك في الشتاء القارس والصيف اللاهب..

المرأة الفلسطينية تعتقد بأنها بارتباطها بأسير إنما تناضل على طريقتها وهي بنضالها تخفف عنه وتبعث الأمل والدفء في قلبه وزوايا غرفة سجنه... ألا تستحق هذه المرأة شعورا وإحساسا مساويا في المقدار والاتجاه؟ !

لقد رويت قصة صديقي الذي آثر كبت مشاعره والتظاهر بأنه لم يعد معنيا بخطيبته ليقنعها بتركه لأنه كان شهما لم يرد أن يفرض عليها عواقب عمل لم يشاورها حين أقدم عليه ، فكيف يمكن في المقابل لشخص أن يقبل اللعب بعواطف فتاة ما والتسلي بها وهو داخل السجن ثم التخلي عنها وبكل سهولة وبأعذار واهية لمجرد أن وجد نفسه خارج السجن..

ليس في الأمر تعميم ، فلا شك بأن هناك من أوفوا بعهودهم وصانوها ولكني أقصد هنا بعض الحالات التي وصفت والتي وقعت بالفعل...

فتحية للمرأة الفلسطينية المناضلة أما أو زوجة أو شقيقة أوصديقة.. وهي تستحق منا أكثر من ذلك...وتحية تقدير واحترام لكل من يصون نضال هذه المرأة ويقدره ولا يتسبب لها بخيبة أمل أيا كانت الأسباب أو الضغوط التي تمارس عليه بعد أن غادر سجنه إلى أحضان الأهل....

كاريكاتـــــير