شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 10 اكتوبر 2026م17:08 بتوقيت القدس

عن حصار غزة وعرض "حماس" العسكري وتغطية قناة الجزيرة

16 نوفمبر 2013 - 17:50
حسين حجازي
شبكة نوى، فلسطينيات:

اشعر مثل كثيرين غيري من الغزيين بهذا الشعور من الملل، حتى السأم والانزعاج والقرف من هذه العقوبة الدورية المتحركة والمتعاقبة كالفصول الأربعة، التي يمارسها أناس وأشخاص ودول أغبياء في حقيقة الأمر، ولا نريد ان نسميهم في تشديد الطوق والحصار المتداعم في كل مرة بإيقاع مشترك على هذا الشعب الغزي المسكين. هكذا في كل مرة كان ثمة كلمة سر تقال فتغلق علينا أبواب الأرض والسماء، ومصدر الشعور بالملل هنا ووصف هؤلاء بالأغبياء ومن يسايرونهم لأنهم يقدمون في كل مرة على هذا العمل، ويريدون ان يقنعوا انفسهم وإقناعنا بانهم إنما يستهدفون حماس. والمشكلة في انه بينما أنا اكتب هذا المقال لكم ولا اعرف متى الكهرباء تأتي غداً (الجمعة)، فإن حماس عصر اليوم (الخميس) تخرج لسانها الطويل على مدى شارع الجلاء، وتستعرض في حشد هائل قوتها العسكرية. أما انا وأمثالي من الغزيين غير المستهدفين من الحصار والعقوبة، فعلينا ان نتدبر أمورنا مع انقطاع التيار وتعطيل عمل البراد والتخطيط المسبق لأخذ حمام دافئ، وانقطاع الغاز وشح الوقود مع ما يتبعه ذلك من ندرة المواصلات وزيادة أسعارها. 
ولكن ما يقلقني حقا وكان دافعي لكتابة هذا المقال هو ان تتوقف مضخة معالجة مياه الصرف الصحي، وتطفو برك وأحواض هذه المياه غير اللطيفة التي تحوي فضلاتنا على السكان المجاورين، وتستمر عملية تحويلها الى البحر بما يسببه ذلك من تلوث وإفساد الثروة السمكية، ثم تتوقف بعد ذلك قدرة المزارعين على ري مزروعاتهم. فأين تريدوننا ان نذهب بعد ذلك ؟ وهل هذا يقضي على حكم حماس في غزة ام يقضي علينا؟.
لكن بالمقابل ايها الأخوة في حماس لماذا هذه العروض العسكرية استعراضا للقوة واحتفاء بالنصر في هذا الوقت، بينما الرسالة التي يجب ان نوجهها الى العالم هي الكارثة الإنسانية والبيئية التي تهدد غزة بسبب الحصار. حسنا يا حماس يجب ان نظهر هذا الفخر بأن العدو لم ينل من عزيمتنا ولم يقهر ارادتنا او استعدادنا لمواصلة القتال، ومن حقكم ان تحاولوا إيصال رسائل الى بعض الأطراف وحتى للعدو بإظهار هيبتكم وبأسكم. ولكن لا اظن ان مثل هذه الرسائل تحتاج الى إيصالها او التعريف بها الى مثل هذه العروض الضخمة، التي تحرف الانتباه عن المعاناة او القصة الرئيسية وهي الحصار، علما بأنكم مررتم هذه الرسائل لمن يعنيهم الأمر قبل أسابيع قليلة، بقوة اكبر وذكاء لافت في الاشتباك الذي جرى على حدود خان يونس، وفي اكتشاف النفق واسقاط طائرة الاستطلاع، وقد قرأت الرسائل من لدن الجميع على نحو واضح بأنكم لستم نائمين، وتعملون بقاعدة الإمام علي كرم الله وجهه، بأن من ينام لا ينام عليه.
يغيظني ويستثير أعصابي حد الشعور بالغضب حينما استمع على لسان المتحدثين من فتح وحماس على حد سواء، لهذه الكمية من الكراهية والعدوانية المخبأة وراء اللسان، التي تتسرب أحيانا من نبرة الصوت كما اختيار الكلمات المتبادلة، والتي تنم عن الكراهية بأكثر ما تعكس لغة سياسية في التعبير عن الاختلاف، كما إدارة هذا الاختلاف او الحوار. والملاحظ هنا ان هذا التخاطب غير السوي او القويم يصدر غالبا على لسان المتحدثين الشبان من الجيل الثاني، وهي ملاحظة قد تخفف من تأثيرها الضار اذا كان يتوجب علينا هنا في هذا المقام، ان نصلي الى الله بأن يمد في عمر جيل الشيوخ ويعطيهم الصحة والعافية آمين. ولكني في هذه المناسبة اكتفي ايضا بالدعوة الى هؤلاء المتحدثين بالرجاء الخالص ألا تتقاتلوا باسمنا. تريدون ان تظلوا منقسمين ليكن، ولكن لا تتصرفوا كأعداء يبغض أحدكم الآخر.
انتقدت هنا قناة الجزيرة لدورها في تغطية الأزمة السورية، اذ رأيت في حينه وكان ذلك مبكرا وأظنني اليوم على حق، ان الجزيرة تستعيض بقوتها الإعلامية كمدفعية ثقيلة عن انتفاء وغياب وضع او أزمة ثورية حقيقية، باصطناع ثورة افتراضية تنفخ في نارها قناة الجزيرة، وتحالف إقليمي ودولي يمدها بالسلاح والمال. وطرحت هنا سؤالا صريحا للتأكيد على هذه المقاربة " لماذا لا يسقط النظام السوري ؟ " ولم يسقط النظام السوري بالفعل ولم تنتصر الثورة المفترضة، وانما الذي انتصر هو الرئيس السوري بشار الأسد وحزب الله وإيران.
لكنني في وقت لاحق رفعت القبعة كما ارفعها اليوم لقناة الجزيرة تعظيم سلام، لتحقيقها المهني الاستقصائي الذي يثير الإعجاب في الكشف عن اللغز الرئيسي في قضية مقتل عرفات. كما تغطية الثورة المصرية في تداعياتها المتواصلة التي لا تزال تحبس الأنفاس منذ انفجارها الأول وحتى الآن. 
بكلمتين يمكن ان نلخص الدلالات هنا :
1-في قضية مقتل عرفات إعادة تأصيل وإبراز الدور الإعلامي الجوهري في البحث عن الحقيقة، "وراء الحدث في كل مكان وكل الحقيقة للجماهير". الرسالة التي يمكنها كسر السيطرة الصامتة وتغيير مجرى الأحداث والتاريخ.
2-والنقطة الثانية هي الضخ الإعلامي الموجه والمكثف هنا لتغطية حراك ثوري، ينطوي على السيولة والتوتر المتواصل كمرجل النار الذي يغلي، في البلد الذي يمثل بيضة القبان في حسم مصير الحراك الشعبي الثوري، ويهز بموجته الكاسحة العالم العربي، اي في مصر التي تقدم لنا منذ سنتين صورة كلاسيكية نموذجية ونادرة، لمجموع الخبرة التاريخية التي تنطوي عليها موضوعات الثورة، ولاسيما في نسختها المرجعية الثورة الفرنسية. 
وهل نسجل هنا انه لأجل هذا السبب مقارنة بالأزمة السورية، رأينا اعتدالا وتوازنا واضحا في تغطية المشهد المصري، بالحرص على إبراز الرأي والرأي الآخر، فيما كانت التغطية للأزمة السورية برأي واحد.
ولكني اذ اتفهم ضيق صدر السلطة الفلسطينية إزاء بعض الأخطاء وحتى الانحرافات المهنية في تغطية الجزيرة للأحداث الفلسطينية، واجد انني هنا ايضا مضطر للتنويه الى انتقادي شخصيا للطريقة التي تمت بها هذه التغطية قبل سنتين، لوثائق محاضر المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، حيث كان واضحا ان ذلك كان جزءا من حملة تستهدف الضغط على ابو مازن، لصلابته وليس بسبب تنازله او رخاوته في التفاوض. الا انه بالمقابل لا يمكننا غض النظر عن هذه العدائية غير المبررة وغير المفهومة للدور الذي تقوم به القناة في قضية مقتل عرفات، كما يظهر على الاقل في التحقيق الاستقصائي الثاني الذي بثته الجزيرة قبل ايام، بينما يقتضي الموقف المسؤول هنا، هو التنويه بهذا الجهد. 
بينما يقتضي من الكاتب الا يغفل في سياق هذا التقويم، عن الإشارة أخيرا الى لفت انتباه القناة الى الآتي :
ان قناة الجزيرة اليوم هي مؤسسة إعلامية كبرى ومهمة، وكصحافي لا اتصور المشهد الإعلامي العربي من دون حضورها، ولكني على المستوى الشخصي لا استطيع الاستماع دقيقتين لواحد فقط من بين برامجكم، استطيع ان اصفه حصرا بأنه الشيء الوحيد الذي تقدمونه وينم عن الإسفاف الشديد، بل ويطرح علامات ابعد من ذلك عن اشتباه في الهدف الحقيقي منه شكلا ومضموناً.

كاريكاتـــــير