مزقت صرخة مدوية صمت الليل، انتزعت اليقظى من أهل الحي من مضاجعهم ومقاعدهم، فهبوا بقلوب واجفة وفي بال كل منهم جزع مبهم على جيرانه، تداخلت أطيافهم في العتمة رجالا ونساء وفتية، وهم يهرولون في اتجاه عويل ونواح قاسيين.
تجمع نفر منهم حول جار لهم ينوح كمذبوح، هاتفا "يا خوي يا حبيبي، روحي فداك"، ظنوا للحظات أنه ينعى شقيقه الأكبر، إلى أن ظهر أحد أبنائه وهو يبكي في نشيج صاخب مرددا "الله يرحمك يا خالتي"، فأدرك الجمع أن زوجة شقيقه هي المتوفاة، وأنه حزين على شقيقه المنهار لفقد أم عياله المباغت.
الصدمة كانت سيدة المشهد، ألقت بوقعها الصاعق في قلوب أهل الدار، الذين لم تنفعهم كثرتهم في ضبط إحساسهم بالفجيعة فيواسون بعضهم بعضا، لاسيما ابنتيها اللتين أحاطت بهما نساء الحي لتهدئتهما، عروس على وشك أن تزف إلى عريسها تحمل فستان زفافها بهستيريا مؤلمة وهي تناجي روح أمها "ألن تأتي لرؤيتي بالفستان"، وطالبة في الثانوية العامة في شبه غيبوبة مثيرة للشفقة.. أما الأب الأرمل فكان يتأرجح بين العويل والصراخ والإغماء، مثيرا ذعر أشقائه كونه مريضا بالسكر والضغط، استجدوه أن يرحم نفسه ويرحمهم، وأكثروا من تذكيره بأن ما حل بزوجته قدر لا راد له، وأن عليه أن يردد "إنا لله وإنا إليه راجعون"، و"لا حول ولا قوة إلا بالله".
في أقل من عشر دقائق كانت غرفة الجلوس قد امتلأت بالجيران والأصدقاء، لم يكونوا متفرجين يكتفون بمواساة تقليدية، بل كانوا يبذلون كل ما في وسعهم لتخفيف وقع الصدمة على الرجل وربعه، هذا يمسح وجهه بالماء لحظة إغمائه في حمأة انهياره المثير للأسى، عندما تناهى إلى مسمعه عويل ابنته وهي ترفض تصديق موت أمها، وذاك منهمك في إجراء اتصالات هاتفية لترتيب إحضار الجثمان من إسرائيل، حيث كانت المتوفاة تعالج من السرطان.. هتف الرجل فجأة وهو يهم بالنهوض "ماذا سأقول لابني الغائب في الأردن"، سارع صديق له إلى القول "لا عليك، سأحضره لك غدا". بدا الأب متشككا وهو يستحلف صديقه أن يفعل ذلك قبل دفن "أم الصبي"، فأقسم الآخر أنه سيفعل.
لم يغف أهل الحي تلك الليلة إلا قليلا، ران الصمت على مضاجعهم، وسكن الحزن والفجيعة أرواحهم، استعاد كثيرون منهم أحزانهم أو تناسوها في لجة الشعور بالأسى والتعاطف مع جيرانهم، وتراوحت أسئلة الكبار والصغار حول أسباب وفاة جارتهم ومستقبل هذه الأسرة بعد أن فقدت سيدتها.
جاء الصباح ليؤكد الحقيقة التي شكك فيها ابن الفقيدة الصغير، عند استيقاظه قبل الفجر بقليل ليجد كل العائلة في دارهم، وقبل أن يتلقى أي جواب على استفساره عن سبب هذه "اللمة" سارع أحد أعمامه لاصطحابه إلى غرفته، حاول طمأنته بأن أمه بخير، فاستحلف الطفل عمه أن يخبره بالحقيقة مهما كانت قاسية، شرط ألا تكون موت أمه. انهار العم باكيا، واحتضن اليتيم للتو دون أن يجد ما يقال.. تأكد الطفل أن أمه ماتت، هرع إلى خزانة ملابسها ليخرج قطعة منها، غمر وجهه الباكي في طياتها وأخذ يشمها كغريق يبحث عن الهواء، دون أن يصدق أن أمه قد رحلت إلى غير رجعة.
نظر الطفل إلى سرادق العزاء والعمال يقيمون أعمدته، القهوة تُطهى على النار، الناس من كل حدب وصوب يتجمعون أمام منزلهم، سمع ما يردده أبناء عمه وعماته عن موعد وصول جثمان أمه وموعد وصول شقيقه من الأردن فكفكف دموعه صامتا، ثم اقترب من أبيه والتصق به، فترقرقت في عيون الآخرين الدموع، دفن رأسه في حضن أبيه، الذي ربت على كتفه بصمت حزين.
وصل الجثمان ليشعل أجواء الفجيعة من جديد، بعد أن أُدخل إلى النساء للقيام بالغسل والتكفين، طال الانتظار إلى ما بعد العصر، لكن الزوج أصر على التريث إلى أن يصل ابنه، كي لا يلومه لحرمانه من إلقاء النظرة الأخيرة على أمه.. ومع وصول الفتى ذي التاسعة عشرة بلغ الانفعال ذروته، عندما تعانق ووالده في نشيج يدمي القلوب، أبكى معظم الموجودين، وانطلقت صرخات النساء عندما دلف اليتيم إلى ساحة الدار لوداع أمه متوكئا على أبيه، ولولا حزم رجال العائلة لما تمكنوا من حمل النعش والتوجه إلى المسجد للصلاة على الفقيدة، التي أمَّ المصلين عليها زوجُها ببحة باكية.
بدا بيت العزاء عزاء للحي بأسره، لا يكاد يخلو من الجيران على امتداد ساعات فتحه، ثم اتسع ليكون ملتقى لكل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، يجلسون متلاصقين ومتقابلين، تحت لافتات تعزية تحمل أسماء فصائل وتيارات وجماعات مختلفة، تتنوع أحاديثهم في فسحة فنجانين من القهوة بين صب اللعنات على مرض السرطان الفالت من عقاله وما ستعانيه أسرة ضحيته المتوفاة بعد رحيلها. لكن قطع التيار الكهربائي المفاجئ والانشغال بتشغيل مولد لإنارة بيت العزاء فرض على المعزين الحديث عن أزمة الكهرباء ومن يتحمل المسؤولية عن تفاقمها، إلى أن ينار السرادق ثانية.
























