شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 11 اكتوبر 2026م03:32 بتوقيت القدس

ستبقى السّياسة الدّولية عالقة في أوحال الشّرق الأوسط

07 نوفمبر 2013 - 14:01
رائد دحبور
شبكة نوى، فلسطينيات:

في محاولة لمعرفة مكانة منطقة الشرق الأوسط ومدى تأثير الصّراعات الجارية فيها على مجريات السياسة الدولية؛ لا بدّ لنا من محاولة تحديد مفهومَي السياسة والسياسة الدّولية أوّلاً.
ثمّة تعريفات كثيرة للسّياسة كعلم ومفهوم ومصطلح وممارسة، وربّما يبدو، ومن وجهة نظري على الأقل، أن السّياسة هي: علم ومهارة وفن إدارة النّاس على المستوى الشّامل لجوانب الحياة، وهي كذلك مهارة تتعلق بمحاولة معرفة أهداف ونوايا ومصالح وأدوات وأساليب صنّاع القرار، والقوى والمجموعات المؤثّرة في تقرير مجريات الأمور والأحداث، وطبيعة العلاقة القائمة بين مجمل هذه القوى، من حيث التّوافق أو التّحالف أو المصالح المشتركة، أو من حيث الاختلاف أو التّناقض والتّصارع، وذلك على مستوى الأهداف والمصالح التي تخص كل طرف من تلك الأهداف. وهذا التّعريف يشمل السّياسة على المستويات المحليّة، والإقليميّة والدّولية، على حدّ سواء.
من هنا فإن العوامل المؤثّرة في السّياسة الدّولية هي: مجمل السّياسات المحليّة والإقليمية للدّول ذات الأهميّة على المستوى الجغرافي والدّيمغرافي والاقتصادي والمدعومة بالقوّة العسكريّة الإستراتيجيّة، والّتي لها مصالح إستراتيجية خارج حدودها الإقليميّة، وعلاقة تلك الدّول بغيرها من القوى والدّول الّتي توازيها في الأهميّة، أو تقل عنها في تلك الأهميّة بشكل قليل أو كبير، ومقدار تأثير تلك القوى والدّول في تحديد وتقرير مجريات الأحداث على المستويات الإقليميّة أو العالميّة.
وعلى ضوء ذلك، فإننا نحاول ومن خلال هذا المقال أن نتبيّن اتّجاهات السّياسة الدّولية فيما يتعلّق بمنطقة الشرق الأوسط، ومدى تأثير تلك المنطقة في تقرير السياسات الدّوليّة.
تبدو منطقة الشرق الأوسط وكما كان عهدها منذ عقود من الزمن وكأنّها مجموعة من المستنقعات التي تعلق السياسة الدولية في أوحالها؛ وذلك بفعل التعقيدات الجيو سياسية التي أفرزتها وما زالت تفرزها جملة من العوامل المتعلّقة بطبيعة تركيب هذه المنطقة من حيث التكوينات العرقية والإثنية والدينية متشابكة مع عوامل التّاريخ والجغرافيا، والموقع الفريد المتميّز إستراتيجيّاً على خريطة العالم، إضافة الى ما أفرزه الصراع العربي الإسرائيلي من عوامل ووقائع وحقائق.
إنّ ضرورة وجود القوى الدّولية في منطقتنا الممتدّة من وسط آسيا شرقاً وحتّى أقاصي إفريقيا في الغرب، بما فيها، وبشكل أساسي، بحرها المتوسّط، وبحرها الأحمر، وخليجها العربي، وكذلك بحر العرب، والسواحل الجنوبيّة لعمان واليمن، وصولاً الى السّاحل الجنوبي الغربي لإيران، يعد ذا أهميّة كبيرة في فرض القوى الدّولية لوجودها الفعلي على خارطة السّياسة الدّولية وذلك للأسباب التالية:
أولاً: يتوسّط البحر "الأبيض المتوسّط" ثلاثةً من قارّات العالم هي آسيا، متمثّلاً ذلك في ساحله الشّرقي، وإفريقيا في ساحله الجنوبي، وأوروبا في ساحله الشّمالي، كما يربط العالم بثلاثة ممرّات ومنافذ بحريّة مهمّة هي: قناة السّويس ومضيق البوسفور في جنوب تركيا، ومضيق جبل طارق في الغرب، كما أن الإبحار فيه، والوجود بالقرب من سواحله؛ بالنسبة للقطع العسكرية الإستراتيجية التابعة للقوى الكبرى، من حاملات طائرات وغوّاصات نووية، يعد ذا أهميّة بالغة.
فعلى سبيل المثال تستطيع هذه القطع وخصوصاً "الغوّاصات النّووية" أن تصيب أي هدف في العالم بواسطة الصّواريخ العابرة، انطلاقاً من البحر المتوسّط، في شعاع مقداره ثلاثة عشر ألف كيلومتر دون الحاجة للانتقال منه الى بحر آخر للتّموضع، وهو ما لا يوفرّه أي بحر من بحار العالم من حيث الموقع، ضمن الحسابات العسكرية الإستراتيجية تحديداً...وقد كان يقال في الإستراتيجيا العالميّة "إن من يسيطر على البحر المتوسط يسيطر على العالم"!! يضاف الى ذلك ما تم الكشف عنه مؤخّراً من احتواء السّاحل الشرقي "للمتوسط" على كميّات كبيرة من الغاز والنّفط قبالة السّاحل الشمالي لفلسطين وكذلك السّاحلين اللبناني والسّوري، ما قد يوفر احتياطيّات كبيرة وإستراتيجية من مصادر الطّاقة على مستوى العالم في المدى المنظور، وكذلك في المدى الإستراتيجي!!. إضافة الى الأهميّة المتزايدة للمرافئ والموانئ البحرية الواقعة على ساحله الغربي في سورية ولبنان وفلسطين، وضرورة تأمينها لنقل النفط والغاز القادم من منطقة الخليج العربي وإيران وجنوب روسيا الى باقي أنحاء العالم عبر أنابيب تمتد عبر عمق الأراضي العراقية والسّورية واللبنانيّة.
ولا بد من الإشارة هنا الى أن جزءاً أساسيّاً من أسباب الصّراع الجاري في سورية وعلى سورية حاليّاً له صلة وثيقة بهذه المسألة بالذّات؛ وهي مسألة تمديد وتمرير وتأمين أنابيب الغاز، تحديداً، عبر الأراضي السّوريّة وصولاً الى مرافئ المتوسّط، وهذا ما يفسّر جزءاً من الاهتمام الدّولي بالأزمة في سورية، إضافة لأسباب أُخرى ذات أهميّة، تتعلق بموقع سورية "الجيوسياسي" وبأهميّتها على صعيد الصّراع العربي الإسرائيلي.
ثانياً: يستحوذ البحر الأحمر على جزء أساسي جدّاً من الملاحة الدّولية بفعل منفذه الجنوبي المتمثّل في مضيق باب المندب، وكذلك منفذه الشّمالي، المتمثّل بقناة السّويس. 
ثالثاً: وغني عن الذّكر الأهميّة الكبيرة لمياه "الخليج العربي" وأهميّة المنطقة المشرفة عليه وما تحتويه على أكثر من 25% من مصادر الطّاقة في العالم، ما يعطي كذلك أهميّة بالغة للسّواحل التي تطوّق تلك المنطقة من الجنوب، وهي سواحل اليمن وعمان وإيران.
رابعاً: الصّراع العربي الإسرائيلي، مع ما لهذا الصّراع من أهميّة تمس مصالح وتفضيلات واهتمامات القوى الدّوليّة؛ إذ وفّر هذا الصّراع وعلى مدى أكثر من ثمانية عقود مضت، أي منذ عشرينيّات القرن الماضي، وتحديداً مع بداية مرحلة الانتداب في المنطقة ومن ثمّ قيام دولة "إسرائيل" وحتّى الآن، مدخلاً وسبباً مباشراً لاستمرار التّدخل في المنطقة، وفرصة دائمة وثابتة لمحاولة الوجود على خارطة السّياسة الدّولية بالنّسبة لكثير من القوى الفاعلة على مستوى العالم أجمع.
قد يبدو في الظّاهر أن الصراع العربي الإسرائيلي هو جوهر المشكلة بشكل مطلق ولكن الحقيقة أن هذا الصّراع، ومنذ بدأ، كان وما يزال أحد مظاهر الصراع والتجاذب بين القوى الدولية، والدليل على ذلك أن الاهتمام بالمنطقة بدأ حتّى قبل بداية تبلور الحركة الصهيونية وإطلاقها لمشروعها القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بعد مؤتمر بازل في سويسرا العام 1897، إذ بدأ اهتمام القوى الأوروبية بالمنطقة بشكل إستراتيجي مع بداية نشوء القوى والدّول الأوروبية على أساس قومي "شوفيني" مع ما حمله ذلك من نظرة استعلائية للشعوب القاطنة خارج أوروبا، وخصوصاً شعوب آسيا وإفريقيا، وكذلك نشوء تلك المجتمعات على أساس صناعي رأسمالي، ما دفع بحركة الاستعمار الحديث نحو المنطقة طمعاً بثرواتها، وكونها ستمثل سوقاً استهلاكية لمنتجاتها، وهذا ما حصل فعلاً.
لجملة الأسباب التي ذكرنا والتي ما زالت وستظل قائمة في المدى البعيد، ستبقى منطقة الشرق الأوسط محور الاهتمام الأساسي للقوى الدولية، وستبقى تحتل مكاناً كبيراً واسعاً على مساحتها، وستظل الصراعات القائمة فيها وبغض النظر عن دوافع أطرافها وأهدافهم تتخذ طابعاً دوليّاً تخص كثيراً من القوى الفاعلة على الساحة الدولية، وستبقى شعوبها تدفع فاتورة التنافس بين تلك الدول من مستقبل شعوبها على مستويات الحريّة الحقيقية والاستقلال الحقيقي، كما على مستوى التنمية الشاملة الضرورية لبقاء أمم وشعوب المنطقة على خارطة العالم، وستبقى القوى الدّولية عالقة في مستنقعات المنطقة، منفعلةً في صراعاتها الشاملة والجزئية على حد سواء.

كاريكاتـــــير