شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 11 اكتوبر 2026م08:13 بتوقيت القدس

ثمن الحقيقة

05 نوفمبر 2013 - 13:09
زياد خداش
شبكة نوى، فلسطينيات:

لست من النوع الذي يضحكه أي شيء، ثمة طرائف لأصحاب يروونها أمامي فيضحك الكل ما عداي، فأشعر بالحرج ويشعرون هم بالشفقة تجاهي، في مقهى رام الله ثمة شخص طيب القلب (ولكنْ هذا موضوع آخر) يروي نكتا باستمرار ويضحك عليها وحده، فنضجّ نحن بالأسى على هذا الرجل الذي لم تصله رسائلنا بعد. يضحكني حتى التوتر والدموع ثلاثي (وطن على وتر): عماد ومنال وخالد، وهو ليس الضحك المعتاد، الطبيعي، انه الضحك الذي هو نوع من الغضب الناعم يحرضني على النهوض في منتصف الليل لأثقب إطار سيارة لص على شكل مسؤول كبير، كان يسكن يوما ما بجانب بيتي، والاتصال بمكتب شكاوى الفساد للوشاية بمدراء عامين وضباط كبار كان سائقوهم يوصلون أبناءهم الطلاب بسياراتهم الحكومية للمدرسة، كل شعب في العالم يحتاج الى فنان ساخر، يسخر من كل شيء حتى من نفسه، يسخر حتى يجعل المسؤولين والقادة يقلقون ويغضبون وإذا لم يغضبوا او يقلقوا فهناك مشكلة مصداقية عند هذا الفنان، هذا ليس شرطا بالطبع لمصداقية أي فنان، ففي مجتمع المؤسسات والحريات والحياة المدنية لا يحتاج فنان الى قلق مسؤول ما حتى يتأكد من صدق فنه، يكفيه أن يسخر ويفضح ويخدش حتى تتهاوى حصون اللصوص، في تلك البلاد المضيئة بإمكان أي مواطن أن يسخر من الرئيس نفسه وأن يحاكمه إن امتلك أدلة على فساده.
أتحدث طبعا عن مجتمعاتنا المتخلفة التي ما زال شيخ القبيلة رابضا داخل بنيتها المجتمعية والذهنية، الشيخ الذي يعتبر الشفافية عارا والانفتاح دمارا. أحببت (وطن على وتر) ليس فقط لأنه فن فاضح وكاشف للمبتذل والقذر والرديء في حياتنا، بل للأداء المقنع فيه ولصدق حكاياته ولخفة ظل فنانيه: عماد ومنال وخالد، أحب عفوية عماد وذكاءه الاجتماعي وبراعته في القبض على مكامن مصادر الإضحاك الشعبي، أحب صدق منال الفني، وقدرتها الكبيرة على عيش الشخصية بدقة وطرافة، أحب قرب خالد من الناس وتمثله أصواتهم وانكساراتهم ومفارقات حياتهم، أتابع الوطن الذي على وتر باستمرار، وأضحك، أضحك على نفسي وعلى الناس وعلى الوطن وعلى المسؤولين، ولم أتفاجأ بمنع حلقاته من البث عبر تلفزيون فلسطين، ولم أندهش أبدا من الدعاوى التي رفعت لمحاكمة فنانيه، فهذا هو ثمن كل هذا الصدق الصافي، اذ في هذه البلاد المعتمة، لا بد من ثمن كهذا حتى يكون للحقيقة معناها الأعمق.

كاريكاتـــــير