شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 11 اكتوبر 2026م12:31 بتوقيت القدس

ضوينا المشاعل ... وحنّينا الـعـتاب

02 نوفمبر 2013 - 14:31
صادق الشافعي
شبكة نوى، فلسطينيات:

تقول اغنيتنا الشعبية "نذر عليّ ان عادوا حبابي عا بيتي لضوي المشاعل واحنّي العتاب".
ليلة الثلاثاء الماضي، أوفى اهلنا بالنذر ضوت المشاعل وحنيت العتاب في بيوت فلسطين في كل مدنها وقراها حين عاد الرجال الى بيوتهم من بعد اسر طال، عادوا مرفوعي الراس موفوري الكرامة ممتلئين بالعزة والفخار ومعها الفرحة والامل واستقبلوا بما يليق بهم عادوا كما دخلوا "رجال" وهل للرجولة تعريف اصدق من انها موقف: جوهرها موقف وبدايتها موقف مهما تعددت وتفرعت بعد ذلك تعبيراتها واشكالها، وهل بغير المشاعل والحنة يمكن ان يستقبل اهلنا رجالهم، وهم العارفون قدر التضحية والمقدرون قيمة الافتداء بعد سنوات طوال اعطوا فيها زهرة اعمارهم بلا تردد او ندم للوطن ولقضية الوطن وتحرره. هل بغير ذلك يمكن ان يستقبل ذلك الذي دخل الاسر وعمر ابنه ثلاث سنوات ليتحرر اليوم وعمر حفيده ثلاث سنوات، وهل بغير ذلك يمكن ان يستقبل الابن المحرر لتلك السنديانة في اواخر سبعينيتها تقف في استقباله مصلوبة القامة رافعة الرأس ممتلئة بالفخر، تقول ان انتظاره اعطاها القدرة على مقاومة الزمن والامراض وان تحرره اعاد الى عروقها دفق الحياة. وهل بغير ذلك يمكن ان يستقبل ذلك الذي ترك وراءه اطفالا تولت تربيتهم ورعايتهم بكل تفان واقتدار زوجة شابة ظلت "اخت الرجال" فأحسنت تربيتهم على القيم والمبادئ التي ناضل والدهم تحت رايتها فأحسنت التربية ولاقت كل عون من الاهل، فحررت الوالد الاسير من القلق عليهم ليتفرغ الى مقارعة سجانه.
هي لحظة فرح وبهجة يقتنصها الاهل، كل الاهل، في زمن تكثر فيه الخطوب والكروب والمكدرات. ولأننا اكثر من خَبرَ التعايش مع الخطوب والكروب والمكدرات ذقنا مرارتها وتصدينا لها او تحايلنا عليها دون ان تكسرنا او حتى تحبطنا، فنحن الأقدرعلى التعايش مع الفرح والتقاط لحظاته وعيشها بكل جوارحنا واذا كانت الخطوب والكروب، ومنها بالذات تلك التي تدهمنا بوحشية كما في العدوانات الشاملة على اهلنا او جزء منهم توحدنا في التصدي لها وفي مقارعتها على قلب رجل واحد، فكذلك تفعل لحظات الفرح . فمن عاش ليلة استقبال الابطال المحررين او شاهدها على شاشات الفضائيات يدرك ان الشعب الفلسطييني كله كان يعيش اللحظة : بعشرات آلاف المشاركين مباشرة فيها او بالآلاف اضعافهم ينصبون حلقات الدبكة والافراح ويصدحون بالاغاني والاهازيج الشعبية والوطنية في بلدة او قرية اوحارة كل محرر بانتظار وصوله ، او بمئات الالاف في كل اماكن التواجد الفلسطيني يتسمرون حول الشاشات يسهرون حتى الفجر يتابعون اللحظة بكل جوارحهم والكثير منهم تنسال دموع الفرح والتأثر على وجوههم، بل نقول بكل ثقة ان دائرة الفرح اتسعت لتشمل الرجال الآخرين ومعهم الصبايا الذين لا يزالون في قيد الاسر بانتظار يوم تحررهم والامل هو صنو الفرح ولصيقه. ومع ان الامل مسكون فينا لا يفارق حياتنا، ومع اننا "محكومون بالامل " كما قال العظيم الراحل سعد الله ونوس الا انه ينتعش مع الفرح ، بالذات ذلك الذي يأتي به انجاز وطني طال انتظاره فتعلو قامته وتتسع دائرته .
وفي لحظات الفرح ولصيقها الامل المنتعش تتوارى الاسئلة الحائرة وتسكن او تُسكّن اسئلة ال كيف ولماذا ومتي وبكم و..و.. وحده سؤال كيف نعيش لحظة الفرح وكيف نزيد مناسباته وكيف نوسع مسبباته له الحق ان يسود ويطغى في مناسبة كهذه. كان للاسئلة الاخرى زمانها السابق للحظة الفرح، ويبقى لها زمانها اللاحق ولحظات الفرح تلمّ وتقرب وتخلق المناخ المناسب الحميمي، للتفاهم والاتفاق على قضايا قد يكون الخلاف على البعض منها قد طال دونما مبرر كاف، وتوحيد الجهود لحلها اول تلك القضايا هي توسيع دائرة الفرح المباشر باعادة رجال آخرين، كل الرجال الآخرين، وقبلهم الصبايا اخوات الرجال ، الى بيوتهم وعائلاتهم لتدخل الفرحة الى بيت تلك الام التي شاركت بحماس كلي وفرح حقيقي في يوم استقبال الرجال المحررين وتمنت في قرارة نفسها لو ان ابنها كان من بين المحررين، او تلك التي تمنت زوجها او اخوها بينهم ثم قضية كيف نديم الفرح ومعه الامل بانجاز استعادة وحدتنا الوطنية، وكيف نتابع استيلاد موجات فرح متتابعة عبر انجازات وطنية على كل مستوى وفي كل مجال. 
انه يوم فرح عشناه بعد طول انتظار ، وشعبنا ظل قادرا دوما على استيلاد الفرح من رحم المعاناة ، وعلى ابقاء جذوة الامل مشتعلة في النفوس في اقسى الظروف وسيبقى قادرا على ذلك.

كاريكاتـــــير