شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 11 اكتوبر 2026م19:41 بتوقيت القدس

خرج يوم وقفة عرفات

صالح علوي يستنشق نسيم الحرية بعد (13) عاما من الأسر

28 اكتوبر 2013 - 18:31
شبكة نوى، فلسطينيات:

القدس – نوى (خاص) – نهيل أبو غيث: رفرفت الأعلام الفلسطينية وأطلقت النساء زغاريد الفرح بدموع أثقلها الشوق للقاء الغائب الحاضر مساء "وقفة عرفة".

كان ذلك في استقبال الأسير المحرر صالح صلاح الدين علوي (30 عاما) من بلدة العيزرية شرق القدس، الذي اعتقله الاحتلال الإسرائيلي، منذ ثلاثة عشر عاما ليعيش بين أربعة جدران ضيقة لا تدنو منه شمس، ولا تطبع على جبينه قُبلة أم توقظه صباحا.

"صباح الخير يمة كل سنة وانت سالم" قالت أم صالح بعد أن استنشقت رائحة ابنها الوحيد للتأكد بأنها الحقيقة لا الحلم، وطبعت قبلتها على جبينه في اليوم الأول من عيد الأضحى لهذا العام، فكان عيدها الذي غاب عنها منذ سنوات طوال وعاد بفضل الله إليها.

لم تتوقع الإفراج عن صالح يوم "وقفة عرفة"، إذ كان من المقرر يوم السابع عشر أي الثالث من العيد.
وكانت أم صالح تردد " ياريت لو كان أول يوم لأشوف العيد من 13 سنة بس معلش الحمدلله مش مهم تالت يوم برضو بيكون عيد وبفرح بإبني".

منحها الله  "عيدية" غالية جدا، بعد أن انقبض صوتها من كثرة البكاء والدعاء لأمهات الأسرى قبل أن تدعو لها، مرددة ووجه ولدها لم يفارقها في ذاك اليوم: "يارب بجاه حبيبك محمد تفرج عن جميع أسرانا وتحرر أقصانا وتشفي مرضانا وترحم شهدائنا بجاه هـ اليوم الفضيل لكل واحد موحد ربو صايم إلو بوقفة عرفة، يا رب اجمع  شمل كل أم بإبنها وكل أب بإبنو، الي بدو يفرحني يفرح قلب الأمهات بأولادها قبل ما أنا افرح".
واستمرت على هذه الحال إلى أن جاءت ابنتها تخبرها بأنها قرأت عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" على إحدى الصفحات المهتمة بالأسرى، معلومة مفادها: سيكون اليوم موعد الإفراج عن الأسير صالح علوي.

تقول أم صالح لـ "نوى": باشرنا بإجراء الاتصالات للتأكد، وذهبنا لاستقباله عند معبر "الظاهرية" وانزويت لصخرة بانتظاره أقرأ القرآن وأدعو ربي غير مصدقة للخبر.

وتوضح: لن تكتمل فرحتي إلا بالإفراج عن أبنائي الآخرين في سجون الاحتلال، فكل فلسطيني هو ابني.

أما صالح فيعود بذاكرته لأيام لن ينساها سُجلت في تاريخ نضال الأسير الفلسطيني ويروي لـ "نوى" ظروف اعتقاله: اقتحم الاحتلال منزلي صباح الـ (18) من تشرين الأول عام 2000 الذي لم يكن فيه سوى والدتي، فتصدى لهم جارنا الذي تعرض للضرب المبرح بالرغم من وضعه الصحي السيء.

ويضيف: عند "دوار الإسكان" في بلدة العيزرية، حاصرتني مركبات الاحتلال الاسرئيلي، وتفاجأت بوالدتي معتقلة وموثوقة الأيدي والأرجل "بالكلبشات" داخل "جيب" اسرائيلي مصفح.

أرادت قوات جيش الاحتلال اعتقال صالح على خلفية اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي، ووافق على الذهاب معهم والخضوع للتحقيق شريطة ترك والدته وشأنها بحسب ما تحدث لنوى.

كان اللقاء الأخير قبل لقائها به بعد (89 يوما) في الزنازين خلال التحقيق، وفي ذاك اليوم وهي تنتظر في المحكمة سألت أم صالح المحامية: "وين ابني؟"

أجابتها: "الي مر من هون".

صدمت والدته فهيأته كما وصفها بعض من رأوه حينها، كالخارج من "المسلخ"، بعد أن خسر الكثير من وزنه وإشراقة وجهه بفعل التعذيب خلال التحقيق.

حكم عليه بالمؤبد في المرة الأولى وبعد تغيير عدة محاميين، طولب بتخفيف الحكم عن صالح محكمة تلو أخرى إلى أن صدر الحكم بسجنه (13 عاما).

معاناة والدة الأسير في ظل وفاة الزوج:

تقول أم صالح: لم تكن زيارة صالح في السجن بالأمر السهل، كنت لا أنام تلك الليلة خشية أن يغلبني النوم، وكان الاستيقاظ جليسي إلى أن تصبح الثالثة صباحا فأذهب مشيا على الأقدام تحت المطر الشديد لصعوبة توفر "السيارات" في وقت باكر، وكان الأمر يستدعي السير مسافة طويلة حتى أصل البلدة المجاورة لأستقل الحافلة.

وتتحدث عن معاملة السجون السيئة جدا، فتقول لـ "نوى": كنا نصل قبل الساعة التاسعة صباحا ونبقى لغاية الثانية ظهرا بعد المرور بعملية تفتيش دقيقة وطويلة إلى أن يحين وقت رؤيتي لابني الذي لم يكن أكثر من ثلثي الساعة.

 وتتابع: قبل أشهر تعرضت لحادث في البيت فكسرت بعض الفقرات في ظهري، لكن ذلك لم يمنعني من زيارته بالرغم من صعوبة التفتيش والانتظار.

وتضيف، أذكر والدة الأسير عيسى عبد ربه التي أتمنى أن يمن عليها الله بالصحة وأن يطيل في عمرها كي تقر عينها بإبنها خارج قضبان السجن بعد (30) عاما من الأسر، كانت تأتي لكل زيارة بالرغم من وضعها الصحي السيء وجليسة الكرسي المتحرك، فهي مثال للأم الصبورة الفلسطينية المناضلة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الأسير عيسى عبد ربه أقدم الأسرى في سجون الاحتلال، سيتم الإفراج عنه  الثلاثاء 29 – 10 – 2013 ضمن صفقة الإفراج عن الأسرى المعتقلين قبل توقيع اتفاقية أوسلو.

وفي ذات السياق يعرب علوي عن خيبة أمله بعدم وجود تحركات فعلية وجدية لصالح الأسرى على المستويين الشعبي والرسمي، ويوضح أن الأسرى كانوا يعلمون بأمر الاعتصامات والمسيرات التي لم يكن يتجاوز عدد المشاركين فيها الـ (15).

جاءت لزيارته فلم يعرفها وقال "للشرطية: أهلي مش موجودين":

معاناة أخرى روتها دموع كثيرة جفت من حرقة اللوعة، فبعد خمسة أعوام من الاعتقال استطاعت أخته الكبرى و"الوحيدة" غادة من الحصول على تصريح زيارة، وعندما حان الوقت بقيت تنتظره من خلف نافذة اللقاء وهي تبكي، جاء مرة تلو الأخرى ينظر فلا يجد أحدا من أهله ليعود أدراجه مستسفرا عنهم، فقالت "الشرطية": الموجودون ليسوا من أهله فهذه ليست الوجوه ذاتها التي تزوره منذ سنين.

وفي المرة الأخيرة قامت غادة بطرق الزجاج ولفت انتباهه، وعندما أمعن النظر تفاجأ بأنها أخته.

لم يتسنى لها زيارته بعدها سوى مرتين إذ تم رفض تصاريح زيارتها فيما بعد من قبل الاحتلال، ويوم الإفراج عنه استقبلته وقبلته فلم يعرفها، فنظر إلى أمه وسألها: وين غادة؟

لم يرَ شقيقه منذ (13 عاما) ويرى جدار الفصل للمرة الأولى في بلدته:

لصالح أخ وحيد من والده والذي كان في الثامنة من عمره لحظة اعتقاله، لم يره منذ ذاك الحين لرفض تصاريح زيارة له، فكان اللقاء يوم الإفراج عنه.

وعن البلدة يقول علوي: لم أعرف "العيزرية" ولم أدرك تفاصيلها الكثيرة التي تغيرت بشكل كبير، خاصة بوجود جدار أحاط بها أراه للمرة الأولى.

محمد عساف ليس القضية:

يقول صالح: كان لـ محمد عساف نصيب كبير لدى الأسرى، فهو فلسطيني جدير بالثقة والتقدير، ولحظة فوزه وحصوله على اللقب كانت ردة فعلنا وفرحنا توصف بعرس لأحد المقربين إلينا، لكن ما أثار حزننا أن (عساف) ليس من ساهم في مساعدة الشعب بالاحتفال بالحرية ولا بمنح الفلسطينيين بعضا منها، وإنما هو نضال الأسرى، فأين هم في الاعتصامات تضامنا مع الأسرى بينما حصد عساف الآلاف في الساحات لرؤيته وسماع صوته.
وفي ظل ضعف الفعل الشعبي لقضية الأسرى، لا نرجو ولا نطلب سوى الفرج العاجل من الله عز وجل.

نضال الفلسطيني لأمه:

النضال لأجل الأم، هو أسمى أنواع النضال، وكل فلسطيني يجب أن يفتخر أينما ذهب أنه من أم فلسطينية وصلب أب فلسطيني، فالأم التي تنتقل من أسر لآخر وتقطع المسافات وتنتظر من الثامنة صباحا للرابعة عصرا تستحق أن يكون مكانها فوق الرأس فلا أم أخرى تصنع لأبنائها ما تصنعه الأم الفلسطينية العظيمة، يقول علوي.

الرئيس محمود عباس:

أبو مازن يبذل كل الجهود الممكنة لتحرير الأسرى، يشير صالح، بينما والدته تطالب الرئيس بأن يبقى ثابتا صامدا كشجرة الزيتون الراسخة جذورها منذ سنين طويلة - وفق تعبيرها.

كاريكاتـــــير