شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 11 اكتوبر 2026م22:55 بتوقيت القدس

لاقي يا أبو مازن هنية في غزة وفضّوا الموضوع

26 اكتوبر 2013 - 17:01
حسين حجازي
شبكة نوى، فلسطينيات:

لو كنت المستشار السياسي لسيادة الرئيس الأخ أبو مازن، لأشرت عليه أن يلاقي يد إسماعيل هنية الممدودة ويتفق معه وحماس، ان يأتي الجميع هنا الى غزة العزة ويتوّجان المصالحة لا بالحوار وانما بتقبيل اللحى، نعم ببوس اللحى على الطريقة الشعبية الخالصة ولكن الأخوية الصادقة، ويفضّان هذا الموضوع بعد ان يصلي الجميع على النبي ويقرؤون الفاتحة.
صحيح سيدي الرئيس ان البعض يمكن أن يهزأ من هذه الدعوة ويقول ان حماس وحكومة السيد هنية في غزة يمرون في مأزق، وكنا نحن قد اشرنا الى ذلك من قبل خطاب السيد هنية الاخير، حتى وان لم يعترف هنية والاخوان في حماس بهذا المأزق، وهو انكار اظنك سيدي الرئيس كسياسي حصيف لا تجد فيه اي غضاضة، حين يتوجب دوما على السياسي انكار بعض الحقائق المؤلمة لأجل الحفاظ على التماسك والروح المعنوية العامة، وهذا جائز ومقبول. وقد كان عرفات أستاذاً في تحويل حتى الهزائم الى انتصارات، ولكني لا اظنك تخالفني ايضا لو همست لك سرا بأننا نحن ايضا نمر في مأزق، وان هذا المأزق الفلسطيني لا يقتصر على حماس وحدها بل هو مأزق متبادل ومشترك ومزدوج اي مركب للأسف. حتى لو كنت هنا لا اقترح عليك موافقتي على هذا التوصيف والاقرار بهذا المأزق في العلن. 
والواقع انك من الحصافة وبعد النظر ان تسبقني الى عدم الاعتراف هذا في العلن، حينما صرّحت ان المفاوضات لا تمر في طريق مسدودة ولم تصل بعد الى حافة الانهيار، وانه لا زال لدينا وقت كافي مبددا الشكوك الاعلامية والصحافية، والمتمنين افشالك بأن استراتيجيتك التفاوضية لا يمكن الرهان عليها، وانك ايضا في ورطة اشبه بالمتاهة.
لكني يا سيدي الرئيس لا أرى ان المشكلة او المأزق هو في اختيارك التفاوض، حتى لو كان التفاوض مع اعداء برهنوا انهملا يريدون حل الموضوع، بل اكثر من ذلك اقول انه حتى لو كان الثمن الوحيد مقابل هذه الملهاة الجديدة والعابثة لمدة تسعة شهور، تحرير هذه المئة رقبة من معتقلي ما قبل اوسلو، فهذا جيد لمواصلة هذه المفاوضات السخيفة التي يقوم فيها كل منا بالضحك على الآخر.
ولكن مأزقنا الآخر والحقيقي الثنائي والمركب كلينا فتح وحماس، التي لا يجدر بنا ان يضحك الواحد منا فيه على الآخر، لأنه مأزق من طبيعة وطنية يشدنا كلينا الى هاوية. انما يتمثل اليوم فيما يمكن اعتباره مجموع المتغيرات والعوامل الحاسمة في البيئة الاستراتيجية، التي نتصارع معها في لحظة من انكشاف حيلتنا الدفاعية الجماعية للتفاعل معها، بسبب انقسامنا وتفككنا الراهن الذي يضاعف من تأثير هذه التحولات سلباً علينا دون ان يتوفر لنا جانب المبادرة او المناورة للاستفادة من بعض التناقضات التي تنطوي عليها في اطار سياسة فلسطينية موحدة ومتداعمة تعيد اطراح القضية الفلسطينية على الاجندة الاقليمية والدولية، بما يتفق او يخدم استراتيجيتنا وبما يؤدي الى وقف التدهور الحاصل.
فهل هو تزامن بمحض الصدفة مثل صرخة يائسة تلك شهقة الموت غرقاً في عرض البحر لفلسطينيين منا، لم يجدوا سوى هذا الخيار المر للنجاة على المستوى الفردي ليجدوا البحر يبتلعهم. كما لو ان مأساة جدار الخزان بملاقاة المصير نفسه تحت شمس الصحراء الحارقة، يتكرر المرة الاولى على شكل دلالة رمزية خطها قلم روائي عبقري هو غسان كنفاني، ليحذرنا مسبقا من هذا المصير المشؤوم. وفي المرة الثانية كحقيقة مأساوية تحدث امامنا اليوم لتعبر عن مستوى هذا التدهور الذي وصلنا اليه، وعن حقيقة اننا من غزة الى القدس ورام الله وجنين والخليل ومخيمات اللجوء في سورية ولبنان والفلسطينيين العالقين على معبر رفح، واولئك العالقين في الاسر وحتى في المفاوضات الماراثونية انما نواجه معا مأزقا واحدا ومشتركا قوامه ان الطاقة وسعة الفعل والصدر والعقل التي نبديها لا تتناسب وحجم التحديات والمخاطر والتكليف التاريخي الذي انتدبنا الله والشعب والقضية له.
وهل نحيلكم ايها الاخوة المحترمون في فتح وحماس الى بعض الحقائق السياسية الخالصة، التي تعيد تشكيل التوازن الجيوسياسي العالمي والاقليمي امام اعيننا، من دون ان تكونوا انتم ممثلي القضية الفلسطينية لاعبين مؤثرين في تحديد اتجاهها.
وحيث يبدو للأسف هذا التراجع بل السقوط والانزياح المريع لأول مرة لوحدانية القضية الفلسطينية ومركزيتها على جدول الاعمال، الاجندة ولو كشعار فيما اسرائيل تواصل مناورتها الكبرى الثانية بعد المناورة الاولى التي انتهت عام 1948، باستكمال السيطرة التدريجية على الضفة والقدس عن طريق المخاتلة والقضم .

وهاكم هذه الحقائق : 
1- الحقيقة الاولى ان هذه هي المرة الاولى منذ انهيار الحرب الباردة واظن انها منذ قمة يالطا الشهيرة، قرب نهاية الحرب العالمية الثانية التي يتم فيها عقد مثل هذا التوافق الدولي، الذي يقوم على مبدأ الاقرار بالتوازن لتسوية ازمة تتعلق بالشرق الاوسط. كما هي التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر جنيف الثاني حول الازمة السورية، وهو ما يعيد تسليط الضوء حول تجاهل اطار هذه التسوية، كما الاقرار بمبدأ التوازن تسوية اصل الازمة الشرق اوسطية اي القضية الفلسطينية. والجواب واضح ان الجميع هناك بما في ذلك ايران، لكن الجميع هنا في رام الله وغزة على حد سواء، اتفقا منذ البداية على الا يكونا هناك، بخلاف مذهب عرفات لو كان على قيد الحياة وبخلاف دعوة صريحة وجهناها لهم هنا في هذا المكان مرارا، والنتيجة انه بإقرار هذا التوازن الذي سيغيّر خارطة المنطقة والعالم، ولكن مع تجاهل واضح للقضية الفلسطينية.
والواقع ان هنري كيسنجر دعا الى هذا المؤتمر الدولي في جنيف العام1975 غداة حرب تشرين، ولكنه ولد ميتا لأن اميركا لم تشأ ان تقر بهذا التوازن. ثم جرى عقد مؤتمر مدريد للسلام في 31 تشرين الاول عام 1991، ولكن جورج بوش الاب وجيمس بيكر وزير خارجيته كان في تصورهما آنذاك، اعادة ترتيب اسس النظام الامني الاقليمي مع انحلال وتفكك الاتحاد السوفياتي، الذي كان حاضرا بصورة رمزية مثل رجل مريض، ولذا فشل مؤتمر مدريد وقبله جنيف الاول في تحقيق تسوية عادلة للأزمة الجذرية.
2- الحقيقة الثانية: لما كان انعقاد جنيف الثاني بمثابة اعلان واضح عن انتصار المحور الدولي والاقليمي الذي يضم روسيا وايران وسورية وحزب الله على حساب المحاور الاقليمية الاخرى واوربا واميركا الغارقتين في فضائح حرب التجسس، فإن الحصاد الكئيب هنا ان لا فتح ولا حماس في صف الرابحين والمنتصرين، وان كانا ليسا في صف المنهزمين او الخاسرين للوهلة الاولى، ما يطرح السؤال عن جدارة هذه السياسة القائمة على العزوف والتعفف عن لعب دور في ازمة دولية كبرى كالأزمة السورية. وتاليا السؤال عن استراتيجيتنا اليوم في التفاعل مع نتائج هذه الازمة، والتداعيات التي ستطرحها على مستوى الاقليم، اي نحن غدا مع من وضد من؟
3- اي نحن مع اي محور من المحورين التاليين الآخذين في التشكل: مع المحور السعودي الاماراتي الاردني المصري ام مع المحور التركي القطري التونسي الاخواني؟ وحيث انتصار المحور الايراني السوري يجيء اليوم على طرف نقيض من مصالح هذين المحورين الاخيرين، اللذين جاءت التطورات الاخيرة في مصر لتضاعف من حدة الخصومة والعداء بينهما، بعد ان انتقلت مصر بثقلها من المحور القطري التركي الى المحور السعودي الاماراتي الاردني.
4- الحقيقة الرابعة: وآمل ان يكون تقديري هنا خاطئا، ان هذه التطورات الاخيرة في مصر التي نظر اليها هنا على انها تمثل اتجاها معاكسا لحماس، انما هي في الوقت نفسه تنطوي على تحول كارثي بالنسبة للقضية الفلسطينية والرئيس ابو مازن وفتح والامن القومي العربي على حد سواء. اذا كان انعدام الاستقرار في مصر الكبيرة ونذر الاحتراب الداخلي فيها، يمكن ان يكون اكثر فداحة في انعكاس مخاطره علينا وعلى العالم العربي من اي ازمة اخرى. والواقع انه قد يجوز القول اليوم انه على جميع اخطاء محمد مرسي وضعف خبرته والاخوان المسلمين في السياسة، الا ان مرسي لم يفض الاشتباك في ارتباط مصر القومي بالقضية الفلسطينية، وسعى الى تحقيق المصالحة الفلسطينية واوقف حربا على غزة بإظهار الفلسطينيين في وضع المنتصر. 
ومن حسن الحظ ان اوباما العاقل يقف على خصومة مع هذا المحور الاخير، وربما كان هواه مع المحور التركي القطري الاخواني، لأن الامبراطورية التي اعترفت لروسيا في حل الازمة السورية هي اعقل من اسرائيل، وترى ان السلام ممكن فقط في اطار من الموافقة والرضى الشعبي والاستقرار السياسي لأنظمة الحكم، ولكي يمكن لأميركا ان تخرج من المنطقة بسلام وتتفرغ للصين في المحيط الهادئ.
اكتفي بهذا القدر، ولكن يا سادتنا اليس هذا قدرا كافيا لأن ندرك معا بأن الارض تميد وتهتز من حولنا، وان هذا سببا كافيا لئلا نغمض اعيننا عن المأزق المشترك، وان نلاقي بعضنا في منتصف الطريق لكي نعرف كيف يمكننا ان نتصارع ونتفاعل مع هذه التناقضات، نعم اللعب على كل هذه التناقضات المزدهرة لمصلحتنا، لئلا نظل نمارس السياسة في زواريب خلافاتنا الداخلية، في زقاق ضيق ونخرج الى الفضاء الواسع خارج رحمة التفرد الاسرائيلي الاميركي من جهة، ومن جهة اخرى ثنائية توتر العلاقة بين مصر وغزة، لكيما يكون للفلسطينيين كلمتهم الواحدة مع الجميع، ونحصل على احترام العالم لنا، فإذا لم نكن لنا فمن يكون لنا؟.

كاريكاتـــــير