|
تبرز جرائم قتل النساء ازدواجية معايير ومراجع القيم الأخلاقية والروحية التي يدعي الفرد في المجتمع انه يحتكم إليها, فهو من ناحية يدّعي الإيمان بالشرائع السماوية التي اعتبرت قتل النفس التي حرم الله كقتل الناس جميعا, والامتثال بشريعة رب الناس التي حرمت قتل النفس إلا بالحق ثم نراه يرتد إلى جاهليته من الناحية الأخرى وينقض على هذه المرجعية عندما تصطدم مع سلطان ذكورته ورغبات فحوليته والتي على أساسها نظم القوانين لإخضاع نصف المجتمع إن لم يكن أكثره, وتوظيف قدراته في إطار نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي يقوم على ركيزة تفوق جنس الذكر وقوامته, والانتقاص من عقل جنس الأنثى والحط من شأنها حتى ولو دمغت تفوقها العقلي والإبداعي بالبراهين والأدلة القاطعة, نظام يضمن فيه الرجل الفحل الذكر التحكم والحكم والسيطرة, وسبل توزيع الثروات والميراث, وهو نظام إذا ما أخلصنا في قراءة أدبياته, وبحثنا في سلوكيات أنصاره, وتبريراتهم وتفسيراتهم لاستنتجنا الطرائق المتعددة لنفي العلم, الحرية, العدالة, السلام, المحبة, المساواة, والحوار ومحاولاتهم المستميتة لإبقاء مضامين النظام ونصوصه وتطبيقاته خالية منها, فأصبح للجهل مدارس وللعبودية تخريجات, وقدست الحروب, وباتت الكراهية للآخر معيارا للانتماء إلى قواعد الأحزاب, ونشرت أبجدية سفك الدماء, ورخصت لعجلة قوانين التمييز العنصري بالانطلاق لهدر دماء الإنسان الأنثى وجسدها والانتقاص من قيمتها, واعتبارها كسلعة بلا روح, وفي أحسن الأحوال روح لا تفقه !! * ان جريمة القتل على خلفية الشرف هي تعبير عن الأزمات المتلاحقة والمتتابعة في منظومة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية للفرد بصفة خاصة وللمجتمع عموما, وهي بالتالي أسوأ تعبير عن تخلف السلطة السياسية الحاكمة والتي هي بحد ذاتها انعكاس طبيعي لواقع حال العلاقات الاجتماعية, والمفاهيم السائدة, وتدني مستوى الثقافة الأصيلة وانكسارها وتراجعها أمام التعاليم والتعاميم الدخيلة أو المستورد أو المنبوشة من دفاتر وسجلات العادات والتقاليد التي لطالما كانت السبب في إبقاء الأمة في مساحة البشر الهمجيين الذين لا يقيمون وزنا لقيمة الإنسان وقدسيته ! * هذا النوع من الجرائم هو خير دليل على قصور نظريات ورؤى وأدبيات ودساتير وأنظمة ولوائح المنظمات والأحزاب, ودليل وحجة على التناقض ما بين نظرياتها وتطبيقاتها, وضعف أدواتها, وعدم جدوى أساليبها, وهي برهان قاطع على فشل قوى الحركة الوطنية المعاصرة ومؤسساتها بكل مسمياتها, وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية, والسلطة الرابعة, ولا نستثني منظمات المجتمع المدني, فبعد عقود من النضال تحت رايات ومسميات وطنية وقومية ودينية كان مشهد التحلل الثقافي هو السائد, فيما تراجع مشهد التغيير الجذري ( الثورة الثقافية) حتى انطوى في سجلات الهزائم والتراجعات والانكسارات كمشاهد النضال الميداني الكفاحي المتعارف عليه بمصطلح " الكفاح المسلح " الذي غلبناه على كل المشاهد حتى بدا وكان نضالنا وكفاحنا كان مجرد تجارب للرجال الذكور لبيان قدراتهم على المنازلة بالسلاح الناري في ميادين الحرب ليس إلا. فيما انكفأت المنازلة في ميادين الفكر والإبداع, وما برز منها كان عملا فرديا خارقا قدمه الإنسان الفلسطيني, فكان مرة مدموغا باسم أنثوي ومرة ثانية باسم مذكر . * لم يكن الإنسان هو الهدف, فالذين بيدهم مفاتيح القرار والمسؤولية تعاملوا معه كمادة للموت والدمار تتغير مؤشرات قيمتها وفقا لقوانين العرض والطلب !! فبات الإنسان بحد ذاته أزمة كأزمات الوقود والدقيق والدواء, اذ سرعان ما يستهلك إذا توفر عبر هجومين الأول يتم فيه استغلال قدراته الإبداعية وتوظيفها لخدمة السلطان, فيما الهجوم عليه من الجبهة الثانية من الأنا الحاقدة الجاهلة الكارهة لمنطق الحياة, والتي يغيظها رؤية فكرة تنويرية ينتصر لها وعي الإنسان.
* عند كل شعوب العالم المناضلة من أجل الحرية والاستقلال كان ظلم الاحتلال دافعا يمكن تصنيفه تحت عنوان العوامل الايجابية الدافعة للتحرر من المفاهيم والعادات والتقاليد التي يحرص الاحتلال على استمرارها كبدائل عن الثقافة التنويرية المتناقضة أصلا مع قوانين الاحتلال, ونرى بان شعوب العالم كانت تناضل لإقامة سلطة تعمل على تنقية القيم الفاضلة مما علق بها, وتكافح بكل الوسائل للارتقاء بمفاهيم المجتمع التي تحرص على ان تكون عصرية تحرره من هيمنة صناع الخرافة والأساطير, العاملين على شد المجتمع لإخضاعه لسلطتهم كبديل عن سلطة الاحتلال لا تحريرا للناس منها, فبعضنا الفاشل يحمل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية جهله وقصوره وانحراف رؤاه فيحرر نفسه من المسؤولية عند زعمه فيطرح نفسه " كمفسر أحلام " بدل أن يكون مفكرا أو معلما أو مثقفا ثوريا أو طبيبا معالجا أو عاملا أو مزارعا منتجا أو مبدعا يخلق الثورات في وعي الناس لتحريرهم من قيود الخرافات
يتكون الشرف من مجموعة القيم والوصايا المقدسة التي يربى عليها الإنسان منذ ولادته, وينضج وينمو معنى الشرف إلى حد يصبح فيها هو البناء الشخصي المتكامل للإنسان, فالصدق والوفاء والمروءة والإيثار وقول الحق والعدل, واحترام رأي وحقوق الآخر وقيمته الإنسانية, والتسليم بحرية الإنسان واحترام مشيئته وقراره في الاختيار هي سمات للشرف الإنساني, أما التهافت على جعل الأنثى عنوانا للشرف ما هو إلا استعباد للإنسان الأنثى واغتصاب معنوي لكيانها, وتحقيرا لعقلها وعواطفها ومشاعرها وأحاسيسها, وعليه فان الخطيئة الجريمة تبدأ في طرح العرض أي النساء كمرادف لمعنى الشرف, وان القتل على خلفية الشرف هو الحد الذي ينفذه القاتل متسلحا بتفسيرات لمعنى الرجم حتى الموت وتفسيرات الزنا النمطية السائدة والتي لا يخلو بعضها من انعكاسات الذكر المريض نفسيا, فهؤلاء يعتبرون الأنثى شيطان غواية, وعورة, وأنها السبب في أخطاء الرجل آدم ( تفاحة آدم ) مثلا وإنها سبب الصراعات بين أبناء آدم الذكور ( قتل ابن آدم لأخيه ). فالقتل والجريمة فعلان تعاقب عليهما شريعة السماء ولا يمكن ان تقرهما شريعة سماوية لأنهما يتناقضان مع الحياة, ومنطق العفو والغفران والتوبة والرحمة, وقانون الخلق الذي أكد على أن الانسان مخلوق غير كامل وانه قابل للوقوع بالخطأ, انه قادر على تجاوز أخطائه بالتعقل والحكمة واللجوء إلى الصبر والعمل الصالح. * نحتاج لتحرر عامة الناس من سيطرة الذين أوهموهم أن القادرين على التفكير والعمل نيابة عنهم والتوسط لهم عند رب السماء.
إن جريمة قتل الإنسان وتبريرها بالشرف هي نموذج مستنسخ للعنف المادي والمعنوي اللفظي والمسلح الذي ألبسه بعض المشرعين ثوب القانون الطبيعي والشرعي عنوة !! بل ذهب بعضهم إلى حد تقديس العنف, وفرضوه على الناس كأسلوب لحل قضايا الإنسان, الأمر ليس بمفاجأة إذا علمنا أن وراء كل هذا فحول الجماعات والأحزاب الطامعين بالسلطة بأي ثمن.
قتل النساء على خلفية الشرف هي نتاج تراكم موروثات العادات والأعراف التي لا يمكن تضمينها في قائمة المؤسسات الثقافية للإنسان بقدر ما هي استجابة لضغوط الأنا الكورية السلطوية الساعية أبدا للحفاظ على ذاتها في خضم الصراع مع الآخر والحفاظ على التفوق الذي اكتسبه البشر الذكور وحافظوا عليه باستخدامهم أساليب العنف الدموي المرعبة لإخضاع البشر الإناث أولا, وكأن في الأمر استنساخ لسيرة حياة القطعان البرية الوحشية, لضمان الشعور بلذة السلطة وممارستها, فالجريمة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ثقافة في عصرنا, وإلا فإنا سنقر بالجهل والكراهية والأحقاد والتمييز العنصري كعناصر ثقافية في زمن ثورة تقنيات الاتصال التي أوصلت تعميم الثورة العلمية والفكرية الإنسانية إلى كل بيت في المدينة
* لقد أسهم تدني الثقة بالنفس, وهبوطها السريع إلى تجميع حالة في قاع مجتمع المدينة كما في مجتمع القرية والبادية حيث يعتقد الفرد هنا بأن قتل إنسان على خلفية الشرف عمل بطولي!! هذا ناهيك عن الشكوك والظنون الآثمة باعتبارهما سمتان كالجوهرتين على تاج صاحب السلطة الجاهل, وبما أن الذكر في المجتمع يرث السلطة الأبوية والعائلية والاجتماعية والسياسية بغير كفاءة معرفية أو علمية ويسيطر على الموارد الاقتصادية فهو رهين الشك والظن, يتخذ قراراته من تفاعلهما في نفسه ترسمان توجهاته, فيحكم على قبوله القيم الفاضلة بمقدار حجم الشكوك والظنون التي غالبا ما تكون متوفرة إلى الحد التي يؤهلها لأن تغير القوانين وفقا لمصلحة الأنا السلطوية الفحولية الذكورية الضعيفة الثقة بالذات جدا .
|