شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 12 اكتوبر 2026م05:09 بتوقيت القدس

رواية السلك: الجيل الذي ينهض

22 اكتوبر 2013 - 14:50
مهند عبد الحميد
شبكة نوى، فلسطينيات:

"السلك" عمل أدبي واقعي مميز، خرج عن مألوف الخطاب الأدبي والسياسي، في نقده الجريء وتفكيره الجديد، وكأن الكاتب عصمت منصور، يحاكي الشباب العربي الذي تمرد على الواقع البائس بطريقة تفكير جديدة وبأساليب غير متوقعة، وبخطاب واقعي وبجرأة وشجاعة منقطعتي النظير. لا يعترف عصمت عبر أبطاله في الرواية بالحدود والأسلاك والمجسات البحرية والأسوار التي قسمت الأرض والمناطق والشعب. ولا يعترف بقضبان السجن التي أرادت أن تفصله عن عائلته وشعبه ووطنه، بل أرادت لعقله أن يستقيل، لكنه عمل على النقيض من ذلك. فلا توحي رواية "السلك" التي كتبها عصمت انه يعيش منذ عشرين عاماً في السجن. كان جسده محتجزاً في السجن وعقله حراً يواكب الأحداث والتحولات ويدلي بدلوه فيها. 
رواية "السلك" أخرجت عصمت من السجن قبل أن يتحرر فعلاً، وأدخلته إلى غزة ومخيماتها وهو الذي لم يزرها في حياته ليحول غزة إلى مسرح يتحرك أو ينطلق منها شخوص روايته، وتعيدهم إلى الرملة والمجدل ويافا وعسقلان والخليل وطولكرم، محاولاً بذلك إطلاق حوار مع أترابه حول قضايا شائكة ومتناقضة. طرح مفهوم وأداء جيل النكبة واختلافه مع مفهوم وأداء الأجيال الشابة. 
يقول النص، تقريباً: أحس انه كبر دفعة واحدة في مخيم الشاطئ فقرر أن يجتاز "السلك" الحدودي عائداً إلى الرملة. لكنه جوبه بالمنع والتهديد العائلي، اصطدم بمن يحب (الأب والأم) اللذين بقيا يحملان عنه صورة الطفل الذي لا يكبر. قاوم "وليد" محاولة التثبيت على مرحلة الطفولة من قبل السلطة الأبوية، الأمر الذي صَعَّب من انطلاقه نحو الحدود وصولاً الى "السلك". وبوصوله الى هذه المنطقة المحرمة من كل السلطات الداخلية والخارجية احس انه يغادر عالم الوصاية الذي يحجب حقيقة تطوره الجسدي، والذهني. داس السلك الذي كان يبث رعباً حقيقياً بقدمه وعبر فوقه. وتعرف لأول مرة لماذا لا يتم الاعتراف بالسلك كخط حدودي. وواصل سيره الى مدينة الرملة المكان الذي هُجِرَ منه أبوه وجده. هما أرغما على الخروج من الرملة وسارا مشياً على الأقدام الى غزة، وهو عاد في الاتجاه المعاكس من غزة الى الرملة طوعاً. مهمة بسيطة وسهلة بالنسبة للشاب الذي لا يعترف بطريقة التفكير القديمة ولا يعترف بالسلك ولا بالحدود سوى تلك التي تصنعها الطبيعة. لكنها مهمة معقدة كانت مجرد خيال لدى الأب والجد اللذين بقيا يعيشان لحظة النكبة ومآسيها. 
"الجد احس بأنه سيغادر الدنيا مهزوماً عاجزاً، دون ان ينصفه احد، وهو لم يحاول أن يغير مصيره، يتحدث عن كارثة وكأنه يعلل بها كل شيء، ومات ولم يخوض حربه التي كانت تحرره من عجزه، مات وهو يحارب الفرح دون هوادة، فقط أورث الأب مفتاح البيت و"كوشان" الأرض المصادرة. الأب كان يصدق ان الجد أورثه ثروة وحتى آخر لحظة في حياته. 
رواية السلك تكشف مأزق جيل النكبة الذي بقي في حالة تثبيت على الكارثة. صحيح ان الاحتفاظ بـ"الكوشان" والمفتاح والاحتفاظ بالذاكرة والحكايات وحراستها لها مغزى مهم. جعلتهم مستمرين على قيد الحياة. لكنها لا تكفي ولا تصلح للتوريث كما هي. 
إن الثورة الوطنية المعاصرة التي حولت القضية من قضية لاجئين الى حق تقرير مصير وتحرر واستقلال والى نضال. وانعكس ذلك على فكرها السياسي وعلى برامجها ومنظومة علاقاتها. لكنها اليوم تقدم رؤية مشوشة لم تعد تشكل ناظماً لحركة الشعب في كل أماكن تواجده. البعض فقد الاتجاه والبعض الآخر عاد الى مرحلة النكبة وخطابها ورموزها. في الوقت الذي بدأ جيل جديد، لا يقبل بالهزيمة والاستسلام للأمر الواقع، ويعترض على الجانب السلبي ويتمرد عليه، ويرفض التثبيت على النكبة ويقاوم نتائجها. رواية السلك تقدم نموذجاً للتمرد والمقاومة والتفاؤل والتجديد. 
ألقوا القبض عليه وعاقبوه ثم أعادوه إلى القطاع، فأحس بالاختناق جراء الحصار والحواجز التي حولت المكان الى خزان بشري على وشك الانفجار. قرر ان يعود مرة أخرى. واكتشف ان ثمة تعديلات أدخلت على "السلك"، الذي أصبح إلكترونياً يعمل بكاميرات وأبراج ودوريات حراسة ومناطق رملية. ولأنه لا يعترف بالحدود ولا بالعوائق والأسلاك، لجأ الى "تيم" الذي دخل في حرب أدمغة مع المهندسين الإسرائيليين الذين طوروا "السلك"، وتغلب عليهم، بتجاوز العوائق الحديثة والعبور مع "وليد" والمجموعة الى المجدل، المدينة التي صورتها حكايات الأب والجد بأنها ذروة الدنيا وأقصاها. وصل الأحفاد الى المدينة سائرين فوق خطى آبائهم. 
وتقدم الرواية مفهوماً غير مألوف عن الأخر، بطل الرواية لا ينكر الأخر، ويثق بقدراته وبنفسه.
جاء في النص: "كنت أفتش في الإنسان بداخلهم" وتلك مهمة لا يقوم بها غير الواثق بنفسه المتفوق معنوياً وأخلاقياً. كان وليد الأشجع في اختراق السلك والبحر وفي المواجهة مع السجان. لم تخفه المجسات عالية الحساسية التي تحول البحر الى حاجز عسكري، ولا رقابة الرادارات الحديثة. انتزعه الجوع من فراشه وألقى به في عرض البحر، واصل السباحة من الثامنة مساء وحت الثالثة فجر اليوم التالي، وفي نهاية المحاولة "قذفت به موجة هائلة كالجبل، حملته فوق ظهرها وأوصلته الى الشط عاري القدمين، خالياً من أي شيء سوى حبل بال لفه حول خاصرته الضامرة، وثق به حذاءه وصرة النقود الحقيرة". 
هنا ينتهي البحر ويرفع عنه أغلاله ليستطيع ان يصل الى شاطئ عسقلان بعد مغامرة فاقت الخيال. لكنه وجد عناصر الأمن بانتظاره، ألقوا القبض عليه وشرعوا بالتحقيق معه. تحصن بالصمت والإنكار، قالوا له: بطل مثلك اجتاز البحر سباحة وامتلك هذه القوة والشجاعة لا يليق به ان يكون على هذه الدرجة من الغباء. كانوا مهزوزين شاحبين، وكان واثقاً لا يملك شيئاً يخسره وهو الهارب من الموت الى الموت. كانت الثغرة التي فتحها في هذا البحر تدفئ روحه، احضروا له ضباطاً من البحرية ليتعرفوا كيف انتقل من مخيم الشاطئ الى عسقلان سباحة ومرة واحدة، لكنهم ظلوا حائرين ومتعجبين.
وتعالج الرواية العلاقات الإنسانية بجرأة، كان يبحث عن المرأة في حياته فوجد "نتالي" التي جذبته عيناها السوداوان. ودخل الى عالمها ليتعرف على اغترابها وسر وحدتها وانكسارها بعد ان شاهدت عشيقها "دان" الإسرائيلي على التلفزيون يتسلم جائزة جندي في وحدة مختارة. نتالي اكتشفت وطنها وشعبها بعد انكسارها وصدمتها. وكأي حب رد فعل وأزمة وانكسار سرعان ما وصل الى نهايته غير السعيدة. قالت نتالي في رسالتها الموجهة لوليد داخل السجن. انها أحبته ولكنها بقيت تشعر انه تعامل معها كعاهرة، والعمال يرونها يهودية، ودان كان يرى فيها عربية خطيرة، لذا فإنها تريد ان تعيش حياتها فقط. 

كاريكاتـــــير